الشاعر الهندي المسلم محمد أقبال

''
قوانين المنتدى
''
صورة العضو الشخصية
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 620
اشترك في: الأربعاء فبراير 06, 2008 10:54 am
اتصال:

الشاعر الهندي المسلم محمد أقبال

مشاركةبواسطة محمد نبيل كاظم » الجمعة ديسمبر 04, 2009 2:40 pm

محمد إقبال
أما محمد إقبال (1877-1938م)[2]، فقد ولد في التاسع من نوفمبر عام 1877م في مدينة "سيالكوت" الواقعة في إقليم بنجاب بباكستان حاليا. وتنحدر أسرته من وادي "لولاب" بإقليم كشمير المتنازع عليه حاليا.
وكان إقبال أصغر أولاد والده الشيخ نور محمد الستة إلى جانب أخيه الأكبر وأربع فتيات. وكعادة أهل قريته "سيالكوت" بدأ إقبال تلقي تعليمه الأول في كتَّاب القرية وما إن أنهى مرحلة الثانوية العامة في 1893م حتى انتقل إلى لاهور ليتخرج من جامعتها فيما بعد ويحصل على درجة البكالوريوس عام 1897م. ثم تابع دراساته العليا بنفس الجامعة ليحصل على درجة الماجستير في الفلسفة سنة 1899م.
في الكلية الحكومية بلاهور تتلمذ محمد إقبال على يد العديد من الأساتذة من بينهم المستشرق الإنجليزي الشهير تي دبليو آرنولد، والذي كان أستاذا للفلسفة آنذاك. وما إن حصل إقبال على درجة الماجستير حتى تم تعيينه مدرسا للغة العربية في الكلية الشرقية بمدينة لاهور إلى جانب اشتغاله بتدريس اللغة الإنجليزية والفلسفة في نفس الوقت بكل من الجامعة الإسلامية والكلية الحكومية.
وسرعان ما ترقى إقبال في المناصب حيث عين أستاذا مساعدا للفلسفة بالكلية الحكومية عام 1903م إلى أن سافر إنجلترا ليلتحق بجامعة كامبردج العريقة عام 1905 ليدرُسَ القانون بها، ومنها إلى جامعة ميونخ بألمانيا حيث حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة عن أطروحة بعنوان: تطور الميتافيزيقيا في إيران.
بعد ذلك عاد إقبال مرة أخرى إلى إنجلترا حيث قام بتدريس مادة اللغة العربية بجامعتها بدلا من أستاذه تي دبليو آرنولد وذلك لمدة ستة أشهر فقط. ثم عاد بعدها إلى الهند عام 1908 ليُدرِّسَ الفلسفة في الكلية الحكومية بلاهور إلى جانب اشتغاله بمهنة المحاماة والتي سرعان ما ترك التدريس في نهاية الأمر ليتفرغ لها.
وقد استمر إقبال في مباشرة مهامه الفكرية والعلمية إلى أن أصابه المرض ابتداءً من يناير 1935م حتى اشتد عليه في ديسمبر 1937م ثم توفي آخر الأمر في الحادي والعشرين من إبريل عام 1938م.
وبطبيعة الحال، ترك إقبال عددا وفيرا من الدواوين الشعرية والمؤلفات العلمية العميقة وعلى رأسها: تجديد الفكر الديني، تطور الميتافيزيقيا في فارس، جناح جبريل (قصائد بالفارسية)، مجموعات رسائل العلامة محمد إقبال، فما العمل يا ملل الشرق؟، هدية الحجاز، أسرار الاعتزاز بالنفس أو أسرار الذاتية، أسرار الوجد أو أسرار نكران الذات... وغيرها.
هذا وقد أولى فيلسوف الإسلام وشاعر باكستان محمد إقبال أكبر جهوده لبحث إشكالية الإصلاح والتجديد في الإسلام باعتبارها تمثل جوهر فلسفته وعماد تفكيره. مثلما أولى اهتماما متزايد بمسائل: علاقة الإسلام بالغرب، والخلافة والجامعة الإسلامية، وقضايا الشورى والمساواة والديمقراطية.
وفي الواقع، لم يتوقف إقبال كثيرا عند حدود إثبات الأنا أو توضيح الهوية أو يقتصر عليها في بحث إشكالية العلاقة بين الإسلام والحضارة الغربية وإنما امتدت مناقشاته إلى ما يجب فعله لإنهاض الذات الإسلامية سعيا وراء تحقيق أهدافها، مما يحمّلها مسئولية صنع مستقبلها، بالدرجة الأولى، دون اعتماد على غيرها شرقيا كان أم غربيا.
وفي سعيه لإثبات وجهة نظره هذه، حرص إقبال حرصا شديدا على تطوير معنى التجديد المنشود من جهة، وذلك بتعويله على النقد والانتقاء والاستبعاد عند تقييمه لمشروعات الإصلاح والتحديث المعاصرة له، مثلما سعى إلى تفضيل منهج التأليف والتركيب على التوفيق في التصدي لثنائيات التراث والمعاصرة، الأصالة والتجديد، العقل والنقل، العلم والدين، القديم والحديث...إلخ من جهة ثانية.
ففضلا عن تجاوزه مثل هذا الثنائيات التي أعيت الفلاسفة على مر العصور، ظل إقبال موضوعيا في فحصه معطيات الحضارة الغربية ومقابلتها بالأسس الشرعية للحضارة الإسلامية. ليس هذا فحسب، بل وفي رؤيته لمستقبل الصراع بين الجانبين وتصوره لمشروع عصبة الأمم الإسلامية، ويبدو أنه كان مفرطا في التفاؤل في ما يتعلق بهذا الجانب أكثر من اللازم!!.
أيضاً لم يفرق إقبال في كتاباته بين مصطلحيّ الثقافة والحضارة شأنه في ذلك شأن أغلب المفكرين الذين نظروا لنتاج الحضارة الأوربية "علم، فكر، سياسة، نظم اجتماعية واقتصادية وتربوية...إلخ" باعتباره كيانا واحدا. كما انعكس موقفه من كافة تيارات واتجاهات الإصلاح والتجديد والتحديث في عصره على نظرته لطبيعة العلاقة بين خطابه التجديدي وبين الحضارة الغربية من ناحية، وعلى نهجه في التصدي لقضايا عصره المطروحة من ناحية ثانية.
إقبال والسلفية
وتبعا لذلك، لم يتعرض إقبال لمسألة تحديد العلاقة بين المسلمين والغربيين إلا من خلال مناقشته لقضية التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. كما لم تتبلور أفكاره حيال هذه القضية إلا بعد اتخاذه موقفا نقديا من الاتجاهات الإصلاحية السابقة عليه والمعاصرة له في آن معا بغية تحديد الأسس والقواعد الرئيسية لدعوته التجديدية.
فعلى الرغم من دعوته محاربة البدع والخرافات المنتشرة في عصره باعتبارها إحدى دروب الجاهلية، وتأكيده ضرورة الالتزام بما جاء في الكتاب والسنة في شتى ضروب الحياة بوصفهما دستور المسلمين الأوحد، وجه إقبال انتقادات بالغة الأهمية لمجمل آراء رواد الاتجاه السلفي كالدهلوي، وأكبر حسين بن تفضل (1846-1921م)، وأبو الأعلى المودودي (1903-1979م) وغيرهم.
ومع تقريره أن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب (1703-1762م) الإصلاحية من أكثر الدعوات التي كان لها عظيم الأثر في مجال إصلاح العقائد وتهذيب الشعائر بعد الوهن الذي أصابها؛ إلا أنه يأخذ عليه عزوفه عن العلوم الغربية الحديثة، وتعويله على الميراث الفقهي فقط في التأويل، وقصره باب الاجتهاد على شرح الأحكام الشرعية موضحا أن الإصلاح المنشود يجب أن يقوم على قاعدة نقدية تتناول الموروث والجديد معا.
إقبال .. وعبيد الفكر الغربي
أيضا انتقد إقبال آراء ورواد الاتجاه التحديثي التغريبي لاجترائهم على الدين وجحودهم أصول الشريعة وانخداعهم بالمظهر البراق للغرب وحضارته وتوهمهم أن كل حديث نافع وكل قديم مضر!!. فمع أنه لم يكن معاديا تماما لمنطق التحديث أو الانتحال من الغرب، إلا أنه عاب على المستغربين في عصره قصر جهودهم على انتحال المناهج ونقد المعارف والأساليب والقوالب الجاهزة دون أدنى تمحيص.
كما عاب عليهم أيضا الطابع العلماني الذي انتحلوه عن الغرب في السياسة والتعليم مؤكدا أنهم ضلوا سبيل الرشاد في فصلهم الدين عن الدولة وإغلاق المعاهد الدينية، مثلما حدث في تركيا، وإعلائهم العصبية القومية على الهوية الإسلامية. ومن ثم، انتهى إلى القول بأن المحدثين لم يفطنوا إلى الغرض الحقيقي للمستعمر الغربي من تشجيع النعرات القومية ألا وهو تقسيم الأمة الإسلامية وتقطيع أوصالها ليسهل عليه فيما بعد اجتياحها ومحو الإسلام من الوجود كلية.
من جهة أخرى، حرص إقبال في مختلف كتاباته وأشعاره على توضيح وجهته ومنهجه في تجديد الفكر الإسلامي، مؤكدا انتماءه إلى الخط الفاصل بين ثورية الأفغاني وتنويرية أحمد خان (1817-1898م) معربا بوضوح عن انتقاداته لرؤية جلال الدين أكبر (1542- 1605م) المتعلقة بوحدة الأديان، واتفاقه مع المواقف المعتدلة لكل من: المصلح التركي سعيد حليم (1863-1921م) والمجدد الهندي محمد علي جناح (1876-1948م) الخاصة بقضية الأصالة والمعاصرة بالنسبة للأول، ورؤية الأخير لمستقبل المسلمين في الهند ورفضه اندماجهم في القومية العلمانية.
ومن بين الأفكار الرئيسية التي وافق فيها الأفغاني: اعتداله في نظرته لطبيعة العلاقة بين الأنا والآخر، وربطه مصطلحي التقليد والتجديد بمنفعة ومصالح المسلمين دون أن يؤثر ذلك على هويتهم أو وجودهم، كما أقره كذلك على دعوته لإنشاء الجامعة الإسلامية وجحده لفكرة القومية العلمانية، وفتحه باب الاجتهاد العقلي، وأخيرا في تفاؤله في ما يتعلق بعودة الإسلام إلى سابق مجده.
وفي سياق آخر، وافق إقبال أحمد خان على أهمية نشر المدارس الحديثة وإدراج العلوم الأوربية ضمن برامج دراستها مؤكدا أن المعاهد الدينية لا ترقى ببرامجها الدراسية العتيقة لأن تحدث نهضة إسلامية. إلا أنه عاد ليرفض بشدة سياسة علمنة التعليم وانتشار المدارس الأوربية الخالية من الثقافة الدينية في الأقطار الإسلامية داعيا إلى ضرورة الجمع بين العلوم الدينية ونظيرتها الطبيعية.
وختاما، يمكن القول إن حديث إقبال عن الهوية الإسلامية قد نجح في تطوير قضية العلاقة بين الإسلام والغرب وذلك بتجاوزه السؤال المطروح على الساحة الثقافية وقتذاك وهو: من أنا؟ نحو تساؤل أعمق عمّا يمكن فعله في مواجهة تحديات العصر وجعل مفهوم الولاء مرتكزا على الوعي بدلا من العاطفة.
وفي المحصلة، لم يكن نقده الموجه إلى الغرب منطلقا من منظور ذاتي أو مذهبي وإنما كان منطلقا من قاعدة موضوعية ودراسة متأنية لطبيعة الحضارتين الإسلامية والغربية. فقد ساءه استيراد البعض لمظاهر الحضارة الغربية وقشورها دون روحها وجوهرها ولعل ذلك ما قصده بقوله: "لا يستمد الغرب قوته من الناي والرباب، ولا من رقص البنات العاريات ... وليس تمدنه يُرَد إلى اللادينية والإلحاد، بل يُرد إلى العلوم والفنون. فبمثل هذه النار تستضيء مصابيح الغرب وتشتعل عبقريته".
في عالم اليوم، وكما لاحظ بحق جاك بيرك، ينقسم كثير من المثقفين والمناضلين بين "أنصار المصير بلا أصيل وأنصار الأصيل بلا مصير"!. ولعل ذلك ما دفع محمد إقبال لأن يقول ذات مرة: "إن المثالية والواقع في الإسلام ليسا قوتين متنافرتين لا يمكن التوفيق بينهما. لأن حياة المَثل الأعلى لا تتمثل في انفصام كامل عن الواقع الذي ينزعُ نحو تحطيم الوحدة العضوية للحياة وتشتيتها في صورة مواجهات مؤلمة، ولكنها تتمثل في جهد المَثل الأعلى [ذاته] الدائب للاستئثار بالواقع بقصد احتوائه إن أمكن واستيعابه وتحويله في ذاته وإنارته في مجموعه".
وإذا كانت عملية "التنزيل" (الوحي) قد تم نقلها من السماء عموديا، فإنها كانت تستهدف الإنسان بالأساس وهو ما عبر عنه النص القرآني الكريم: "قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" (الإسراء: آية 95). وهو الأمر يفرض على الإسلام في كل عصر أن يأخذ بعين الاعتبار المراحل المتتابعة من الانثروبولوجيا الإنسانية خاصة تلك التي وسمتها وبعمق الثورة التكنولوجية وبحث الآثار المترتبة عليها اجتماعيا، وليس فقط على المستوى العملي، وهو ما فهمه هيدجر تماما، وإنما أيضا على المستوى الثقافي وعلى مستوى المواقف والعقليات بما فيها مستوى النظر الفكري (المجرد).
إزاء مشكلة كهذه، ثمة موقفان منطقيان ممكنان أمام نظام يريد، إن لم يكن يتوجب عليه، اعتناق الحداثة: الأول هو أن يتلاءم مع حركة العالم مع الاحتفاظ ببعض الضمانات الأساسية التي تكون بمثابة علامات على الطريق، أي بعدد معين من أنماط السلوك أو الأدوار الاجتماعية التي تعد ضرورية لدوام تأكيد الذاتية .
الموقف الثاني هو أن يدمج في ذاته حركة العالم أو يدمجها في نظامه الخاص، أي أن يصوغ هذا النظام في قالب حداثتة وفي محتوى حداثته. خاصة بعد أن برهنت البنيوية Structuralisme على أن هوية أي مجموعة تبقى في مجملها/جوهرها غير مرهونة بهوية محتوياتها ولكن بطريقة تركيبها، وأن بإمكان أي نظام أن يحتفظ بهويته حتى لو تغيرت محتوياته.
كل هذا يجرنا إلى التساؤل الشائك: كيف عالج الإسلام الكلاسيكي في العالم الإسلامي المعاصر، وفي شبه القارة الهندية بصفة خاصة، مسألة التحديث؟. هنا تبدو المجهودات الإصلاحية والتجديدة التي قام بها رواد النهضة في شبه القارة الهندية على درجة كبيرة من الأهمية.
فمن جهة، كان اقتراب هؤلاء الرواد أسبق تاريخيا من المحاولات التي تمت في مصر بصفة خاصة وفي العالم العربي عامة. ومن جهة ثانية لم تنفصل هذه المحاولات الإحيائية خاصة في مراحلها المتأخرة زمنيا عن نظيرتها العربية. فكلا من الدهلوي وأحمد خان وأبو الكلام آزاد ومحمد إقبال قد تواصل مع رواد النهضة في مصر أو في شبه الجزيرة العربية.
أضف إلى ذلك أن بعض هذه المحاولات كانت أكثر جدية من نظيرتها العربية ولبيان ذلك لنأخذ إشكالية الدين والدولة كمثال تقريبي. ففي الوقت الذي رادف فيه الطهطاوي على استحياء ما بين المصطلحات الفرنسية ونظيرتها الإسلامية، كان أبو الكلام آزاد قد طور من نظيرته السياسية، ولم يجاوز الخامسة والعشرين من عمره، بصورة تفوق حتى بعض المحاولات المتأخرة نسبيا في عالمنا العربي على النحو الذي ستكشفه الفقرات التالية.
بداية يؤكد آزاد أنه ما دامت الخصائص الأساسية للدولة/الخلافة مصونة (الجمهورية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن لكل مسلم أن ينطلق إلى الجهاد السياسي بكافة الطرق السليمة البريئة من العنف كممارسة الكلمة الحرة، أو المعارضة بالطرق الدستورية.
وبالعكس إذا صار الحاكم استبداديا جائرا فإن من واجب الفرد المسلم أن يعارض كل عمل غير مشروع ومستبد، وذلك لحماية نفسه أولا وحماية المبادئ الإسلامية الرئيسية ثانيا، ومن باب أولى للحفاظ على الصفة الإسلامية الأساسية للدولة وعلى المصلحة العامة للأمة.
وبالتالي، كان آزاد في تفكيره السياسي يرى أن الالتزام بالشكل القانوني وتكريس السلطة السياسية لبلوغ غايات أخلاقية مبدآن إسلاميان في جوهرهما، حتى لو طُبقا في جو غير إسلامي فإنهما لا يفقدان أي قدر من شرعيتهما، وأنه إذا لم يكن بد من معارضة سلطة تلتزم ظاهريا بمثل هذه القيم فيكفي أن تُقاوم بوسائل إسلامية خالصة، أي بلا عنف وذلك لكشف خداعها وافتقارها إلى الشرعية.
وتبعا لذلك، يمكننا أن نستنبط من فكر آزاد أن النظم العلمانية يمكن لها أن تكتسب شرعية إسلامية بقدر ما تقترب من روح الإسلام في فهمها لروح العدالة والشرعية والديمقراطية وبقدر احترامها لهذه المنظومة القيمية. إذاً من الممكن أن تستفيد بعض النظم العلمانية حاليا من الشرعية الإسلامية بضمان ولاء المسلم الذي يعيش في كنفها بالولاء لهذه الدولة العلمانية.
أي أن هذا المنطق الفكري قد يسمح بإدخال شرعية العلمانية والدولة العلمانية في الإطار العام لفلسفة السياسة الإسلامية. ومن ثم، فإن كلا من حرية الرأي والتعبير والديمقراطية والحرية الفردية مبادئ إسلامية بإمكان كل مسلم أن يضع نفسه في خدمتها في ظل مختلف الظروف التاريخية ورغم تباين الأجواء الاجتماعية وحتى مع صياغتها في قالب لغوي مغاير شريطة أن يكون المسلم مدركا لأصولها الأولى (الإسلامية).
ونتيجة لذلك، فإنه يصح للمسلم أن يكون علمانيا وعصرانيا وحداثيا وديمقراطيا وبإمكانه أيضا أن يتعايش ويعمل مع غير المسلمين في ظل نظام علماني ما دام واعيا لقيم الإسلام الأبدية والعالمية. أضف إلى ذلك أيضا، الإقرار بأن مثل هذه المنظومة القيمية قد تتجلى أيضا ضمن حضارات أخرى غير إسلامية، أي الاعتراف بأنها في الأساس قيم إنسانية قبل أن تكون إسلامية بالدرجة الأولى.
أي أن كلا من الإسلام والحضارة الحديثة قد يفضي إلى نفس النتائج تقريبا مع اختلاف المهنج لدى كل فريق. وبالتالي فإنه بقدر ما يعكف المسلم على دراسة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بقدر ما يحسن فهم القيم الحديثة.
ويبدو من فهم كهذا أن الإشكالية الأبدية المتعلقة بالديني والسياسي آخذة في التلاشي. وفي كل الأحوال نحن مدعوون بقوة للتعلم من تجربة التجديد والإصلاح في شبه القارة الهندية فكما يقول محمد إقبال: "إن على المسلم اليوم عملا شاقا.
عليه أن يعيد النظر إلى الإسلام كله دون انقطاع عن الماضي... فليس لنا اليوم إلا أن نقوم من العلم الحديث مقام المُكبر له القادر على نقده وأن نقوِّم الفكر الإسلامي في ضوء هذا العلم وإن أدى ذلك إلى أن نخالف أسلافنا".


صورة العضو الشخصية
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 620
اشترك في: الأربعاء فبراير 06, 2008 10:54 am
اتصال:

الشاعر الهندي المسلم محمد أقبال

مشاركةبواسطة محمد نبيل كاظم » الخميس نوفمبر 08, 2018 8:06 pm

مولد محمد إقبال وتعليمه
وُلد محمد إقبال في دولة الهند في مدينة "سيالكوت "في إقليم البنجاب في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1289هـ، الموافق 9 من نوفمبر سنة 1877م، قبل انفصال المناطق ذات الغالبية المسلمة، فيما سمي فيما بعد بدولة باكستان، لسلالة أصلها براهمية من الطبقات العليا في المجتمع الهندي، وقد أسلم جدُّه الأكبر قبل ميلاده بثلاثمائة عام، فنشأ إقبال منعَّمًا بالإيمان، ومتعلِّقًا به، وقد حفظ القرآن الكريم، والتحق بمدارس بلدته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالكليَّة الحكوميَّة.
ثم أُرسل لبراعته ودقَّته إلى لندن عام 1905م ليلتحق بجامعة كامبردج، وقد حصل هناك على درجة علميَّة مرموقة في الفلسفة وعلم الاقتصاد، فرحل إلى جامعة ميونخ بألمانيا، حيث حصل على الدكتوراة في الفلسفة، وما لبث أن عاد إلى لندن؛ لحضور الامتحان النهائي في الحقوق، فحصل على درجة عالية في القانون، وفي لندن عَمِل في تدريس اللغة العربية في جامعتها، وحاضر كثيرًا عن الإسلام، فساهم بجهد كبير في نشر الدعوة، وفي المقارنة بين الفلاسفة المسلمين كابن سينا وابن رشد وابن عربي وجلال الدين الرومي، وبين فلاسفة أوربيين: كهيجل ونيتشه، وشوبنهاور، فذاع صيته في الآفاق: في تركيا وروسيا وبلاد الأفغان.
وقد تُرجمت أعماله، واهتمَّ بها كثير من فلاسفة الغرب، فقارنوا بينه وبين "جوته" وكذلك بينه وبين "نيتشه"، حتى قامت في ألمانيا (جماعة إقبال) تُشْرِف على ترجمة آثاره، وكذا فعل المسيو "إسكاريا "في إيطاليا، و"نكلسون" في أمريكا، و"عبد الوهاب عزام" في مصر.
دفاع محمد إقبال عن الإسلام:
قام محمد إقبال بالعديد من المساهمات العلميَّة الجادَّة التي كانت سببًا رئيسًا في الدفاع عن الإسلام، فكانت فلسفته قائمة على القوَّة والوَحدة، وقبل وفاته بستَّة أشهر زاره العلامة أبو الحسن الندوي، فعبَّر له إقبال عن نظرته للفلسفة قائلاً: "إن علوم الطبيعة تلتقي مع الإسلام على الجدِّ والعمل والبعد عن البحوث الفلسفيَّة التي لا جدوى فيها، وقد ظلَّت هذه الروح متغلغلة في المجتمع الإسلامي قرنين، وبقي متمسِّكًا بالعقيدة والعمل والسيرة والخلق حتى طغت عليه الفلسفة الإغريقية...".
ثم تحدث إقبال عن الفلسفة الإلهية، وكيف شغلت الشرق واستهلكت قواه، وذكر أن أوروبا إنما نهضت وملكت العالم لمَّا ثارت على هذه الفلسفة أي فلسفة ما بعد الطبيعة، وبدأت تشتغل بعلوم الطبيعة المجدية المنتجة، ولكن قد حدث وثار من المسائل في هذا العصر ما يخاف معه أن ترجع أوروبا القهقرى، وذكر أن العقل العربي كان الأقدر على فهم الإسلام فهمًا صحيحًا، والأجدر على حمل أمانته[1].
أمَّا شعر إقبال فإنه يتميَّز بذوبانه وراء شعلة الإسلام التي ملأت العالم نورًا وحرارة، وقد قضى حياته في البحث عن تلك الأمجاد التي مضت، وأولئك الأبطال الذين رحلوا وغابوا في غياهب الماضي، فشِعره يوقظ العقول، ويهزُّ النفوس، ويُربي الآمال في الصدور، ولا عجب إذا كان شعره يملأ القلوب حماسة وإيمانًا، وكان وقعه في النفس كبيرًا وعميقًا، فقد سالت في شعره دموعه ودماؤه، وفاضت فيه مهجته ودعاؤه!
وإقبال من الشعراء القليلين الذين وهبوا حياتهم للفكرة الإسلاميَّة، فأقام شعره وقلمه وبيانه في سبيل تجلية عظمة الإسلام وفضله، وما من شاعر ممن كتبوا عن الإسلام إلاَّ شاركوا فيه فنونًا أُخَر ما عدا إقبال[2].
فشِعر إقبال مليء بالمعاني الإيمانيَّة القويَّة، التي فيها يسير إقبال مع القارئ يُخبره عن الإيمان، ويوصله بطريق انسيابيَّة نحو الله تعالى، فيقول:
أين ما يُدْعَى ظلامًا يا رفيق الليل أين ****** إن نور الله في قلبي وهذا ما أراهُ.
قد مشينا في ضياء الوحي حبًّا واهتدينا *** ورسول الله قاد الرَّكْب تحدوهُ خطاهُ.
ويقول إقبال في قصيدته الطويلة "شكوى" وهي دمعة أرسلها من عينه وتكلَّم بها في قصيدة يشكو إلى الله حال العالم الإسلامي، يشكو من المسلمين ويشكو من بُعدهم عن دينهم وعن رسالتهم، ويبيِّن لهم أنَّ الانتصار لن يتحقَّق إلاَّ بالإيمان, وأن الإنسان لا يصلح إلاَّ بالإيمان وأنَّ الدنيا لا تصلح إلاَّ بالآخرة، وأنَّ المسجد لا يصلح إلاَّ مع المزرعة والمزرعة مع المسجد، هذا هو ما يريد أن يقوله للناس. فيقول عن هذا:
إذا الإيمان ضاع فلا أمانَ ******** ولا دنيا لمن لم يحي دينَا
ومَن رَضِيَ الحياة بغير دِين ****** فقد جعل الفناء لها قرينَا
تُسانِدُها الكواكب فاستقرَّتْ ******** ولولا الجاذبيَّة ما بَقِينَا
وفي التوحيد للْهِمَمِ اتحادٌ ******* ولن نصل العلا متفرِّقينَا[4]
كما يصف الكافر قائلاً:
إنَّما الكافر تيهانِ ****** له الآفاق تيهْ
وأرى المؤمن كونًا *** تاهت الآفاق فيهْ.
ويصف مشاعره وأحاسيسه في قصيدة اسمها (إلى مدينتك يا رسول الله)، التي ترجمها أبو الحسن الندوي نثرًا:
ثم يصف خروج الرسالة من طيبة الطيبة وذهابها إلى العراق ثُمَّ إلى الأتراك ثُمَّ إلى الهنود، وأنها ترتفع بإذن الله لتغطِّي الدنيا:
مِنْ ثَرَاهَا قَدْ كَتَبْنَا النُّور في دنيا الوجودْ *** وعلى أهْدابها صُغْنَا معانٍ من خلودْ
حِكْمَةُ الإيمان من طِيبَةَ سَارَتْ للْعِرَاقِ *** وهفا الأتراكُ في دُنْيَا رُؤاها والهنودْ[6]
علاقة محمد إقبال بالمشاهير والحكام:
كانت قضيَّته الكبرى أنْ يُؤْمِنَ الناسُ، فأرسل رسالة إلى لينين، وكان محمد إقبال مشهورًا على مستوى العالم يعرفه لينينُ، ويعرفه أذناب الشرق والغرب، يقول: "اتَّقِ الله يا لينين، فإنك قصمت ظهر الرأسماليَّة فأحسنت، فألحق بقصمك للرأسماليَّة لا إله إلا الله". ولينين هذا ثار على الحقِّ الفردي في الرأسمالية, ولكنه أخرب كل الخراب عليه لعنة الله، كفر بالله.
ودخل على نادر شاه في كابل, ونادر شاه كان ملك أفغانستان آنذاك، وكتب رسالة إلى محمد إقبال يقول: "اقدَم إلينا، اقدَم إلينا". فدخل محمد إقبال فخرج الأفغان ألوفًا مؤلَّفة في الشوارع يستقبلونه، فأخذ - قبل أن يقابل الرئيس أو الملك - نسخة من المصحف وأعطاه، وقال: يا نادر شاه، والله لن تعلُوَ بشعب الأفغان حتى تأخذ هذه الوثيقة, إنني أتيت بها من الله، يعني: أن هذا القرآن من الله.
حب محمد إقبال لكل عربي ومسلم
أحبَّ إقبال كل ما هو عربي، فأحب الحجاز لأن فيها رسولَ الله؛ ولأن في الحجاز نورًا انبعث، وفيها رسالة خالدة، وفيها جماجم الأبطال؛ ولأن في الحجاز مخرجًا من مخارج التوحيد والتاريخ، وله قصيدة اسمها "ناقتي في الحجاز" وصف نفسه وهو يبكي، ويقول: يا ليتني أعتمر مرَّة ثانية. ولم تكن متيسِّرة له, كان يدرس في الجامعة الفلسفةَ، وشرح ديوان المتنبي, وكان يدور في الليل والنهار ويُلقي محاضرات، وفي آخر عمره كان يُلقي في اليوم الواحد عشر محاضرات.
ويقول وهو يتفجَّع على المسلمين وقد زار قرطبة، ووقف أمام الجامع ولم يجد المسلمين, وجد المسجد قد حُوِّل إلى حانات من الخمر، ووجد العاهرات وهنَّ في محراب المسجد؛ فبكى، وجلس عند الباب، وأنشد قصيدته الفضفاضة الشهيرة في مسجد قرطبة وهو يقول:
أرى التفكيرَ أدركَهُ خمولِي *** ولَمْ تَبْقَ العزائم في اشتعالِ
وأصبح وعظكمْ من غير نورٍ *** ولا سحرٍ يطلُّ من المقالِ
وعند الناس فلسفةٌ وفكرٌ ********* ولكن أين تَلْقِينُ الغزالِي
وجلجلة الأذان بكلِّ حيٍّ ******* ولكنْ أين صَوْتٌ مِنْ بلالِ
منائركمْ عَلَتْ في كلِّ ساحٍ *** ومسجدكمْ مِنَ العُبَّادِ خالِي.
وقد علَّم إقبال الجماهير المسلمة الفرق الجلي بين الحضارة الأوربيَّة والأمريكيَّة الخاوية على عروشها من أي معنًى من معاني الإيمان والرُّوح، وبين الحضارة المسلمة التي جمعت بين الدين والدولة، بين الناحية الرُّوحية التي يحتاج إليها الإنسان في كلِّ يوم، وبين الناحية المادِّيَّة التي تنهض بها الأرض في نطاق قضية الإعمار التي أشار إليها القرآن الكريم، ومن ثَمَّ أتى محمد إقبال إلى المسلمين، وأعلن أن الحضارة محتاجة إلى إيمان المؤمنين، وصلاة المصلِّين، وصدق الصادقين، يقول للمسلم:
أنت كنز الدّر والياقوت في ******** لجَّة الدنيا وإنْ لم يعرفوكَ
محْفَلُ الأجيال محتاجٌ إلى ****** صوتك العالي وإن لم يسمعوكَ.
ويقول: ليس في العالم إلاَّ أنت، ولا يضرُّك هذا الضجيج والإعلام والفلسفة؛ لأن أذناب العلمنة الذين وُلدوا في لوس أنجلوس ودرسوا في ديفرسايد، ولا يعرفون القرآن ولا زمزم ولا توضَّئوا بالماء، طلسموا عقول الناس وجعلوا الدين خرافة ورجعيَّة.
وظلَّ طَوَال سنوات حياته يهتمُّ بالمجموع، واهتمامه بكل ما يُعيد للأُمَّة الإسلاميَّة مجدها وحضارتها؛ لذلك استنكر على كمال أتاتورك إسقاطه الخلافة؛ حيث ردَّ عليه بقصيدته المشهورة (خطاب إلى مصطفى كمال باشا) في ديوانه رسالة الشرق، حيث عبَّر عن حزنه على تغريب المجتمع التركي، وتقليد أتاتورك للأفكار الغربيَّة بما سماَّه الإصلاحات، ليس ذلك فحسب بـل انـتقـد عـصبة الأمـم المتحـدة في ذلك الوقـت؛ لأنها منظَّمة بلا حياة تعمل لصالح المستعمِر فقط:
صوَّر الغاصبُ عدلاً ظلمه *** ما هو التفسير للعدْل الجديدِ
زادَ فـي التَّحْرير معنى أنَّه ***** يُحكم القيْدَ لِتَحْرِير العبيدِ
قال للطير: إذا رُمْتَ الأمان *** فاتخذْ في منزل الصَّيَّاد وَكْرَا
ليس في الأجواء للطير مكانٌ *** ولا تَأْمَنَّ في الصحراء نَسْرَا.
لذا فإن أدب العلاَّمة محمد إقبال -رحمه الله- يُعتبر من القواعد التي تشكَّلت على أُطُرِهَا أسس الأدب الإسلامي؛ حيث أشرقت البدايات الأولى في شبه القـارة الهنديَّة، ووجدت أذانًا صاغية في العالم الإسلامي للاستفادة من المَضَامِينِ الإسلاميَّة، وصياغة الأدب الإسلامي وَفْقَ الأسس التي اتَّبَعَها العلامة محمد إقبال في صياغة خطابه الأدبي؛ كالمضمون القرآني فنِّيًّا من حيث الأسلوب وجماليَّات اللغة، والمضمون النبوي والسنة المطهَّرة من حيث الأفكار وأحاديث الرسولr


وسيرته العطرة، والمضمون الإنساني من حيث العلوم والتجارِب الإنسانيَّة بما في ذلك المناهج الأدبيَّة والرحـلات.

اهتمام الأدباء العرب بشعر محمد إقبال
اهتمَّ كثير من الأدباء العرب بإبداعات محمد إقبال مثل عبد الوهاب عزام، والشيخ الصاوي شعلان، ومحمد حسن الأعظمي، وغيرهم، فترجموا أعماله إلى اللغة العربيَّة، ثم نَظَمَها بعضهم على نسق شعري، فقصيدة: "ملكنا هذه الدنيا" التي نَظَمها الشيخ الصاوي شعلان تحمل في ثناياها أمجاد الأُمَّة الإسلاميَّة في صورة بيانيَّة جميلة، فكلُّ بيت من أبياتها لوحة فنِّيَّة تُعَبِّر تعبيرًا صادقًا عمَّا مرَّت به الأُمَّة الإسلاميَّة من أطوار حضاريَّة ستظلُّ خالدة في الصدور قبل الطلول، فيُعَبِّر إقبال عن هذه الحضارة التالدة، بنظم الشيخ الصاوي شعلان:
مَلَكْنَا هذه الدنيا القرونَا ******* وأخضعها جدودٌ خالدونَا
وسطَّرْنا صحائفَ من ضياء *** فما نَسِيَ الزمان ولا نسِينَا
وكنَّا حين يأخذنا قويٌّ ********** بطغيان ندوسُ له الجبينَا
تفيضُ قلوبنا بالهدي بأسًا *** فما تغضي عن الظلم الجنونَا.
ولا يلبث إقبال ليخرج من قصيدة شعريَّة تقوم حكمتها على المعاني الإسلاميَّة القائمة على الوَحدة والقوَّة والاعتصام بالله وبرسوله، إلاَّ ويدخل في قصيدة أخرى تقوم معانيها على التأمُّل في الكون المحيط بالإنسان، الذي إذا أنعم الإنسان نظره فيه، قُرِّبَ من الله تعالى، والقصيدة القادمة التي ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام بعنوان (تأمُّلات) تقوم على المقارنة الفكريَّة المجرَّدة بين الماضي والحاضر، فماضي المسلمين مليء بكلِّ ما يُثير فكر الإنسان المسلم المعاصر بكلِّ تساؤل عن حقيقة هذه الحضارة الفانية بأشخاصها، والباقية بآثارها من نواحٍ مادِّيَّة يستغرب لها كلَّ مَنْ عاينها، ويستهدي بكلِّ ضلالٍ من اهتدى بها، فيقول إقبال في أبيات فلسفيَّة عميقة تُعبِّر عمَّا يمور في قلبه تجاه ما هو إسلامي، حتى غدا هذا الشاعر أبا الشعراء المسلمين الذين قَدِمُوا من بعده.
دور الشعر في توجيه المجتمع:
رأى إقبال أنَّ الأدب موهبة كبيرة من مواهب الله تعالى، وقوَّة عظيمة يستطيع صاحبها أنْ يحدِثَ انقلابًا في المجتمع، وثورة فكريَّة، وبه يستطيع الشاعر أن يضرب الأوضاع الفاسدة الضربةَ القاضية، ويُشعل القلوب الحماسة والغضب لكلِّ ما هو سيِّئ، ويملأ النفوس قلقًا واضطرابًا وتذمُّرًا من الشرِّ، وتطلُّعًا إلى الخير، فلا بُدَّ أن يكون في قلم الأديب والشاعر التأثيرُ الذي كان في عصا موسى، وأنْ يُؤَدِّيَ رسالته في العالم، وكلُّ أدب استُغِلَّ لجمع المادَّة، أو إرضاءِ الأغنياء والأثرياءِ، أو إثارةِ الشهوات، أو على الأقلِّ كان أداة اللهو والتسلية والتذوُّق بالجمال والتغنِّي به، فهو أدبٌ ضائع مظلوم، استُعْمِل لغير ما خُلق له، ولغير ما وُهب له؛ حيث يقول في بيت من أبياته: "أنا لا أعارض التذوق بالجمال والشعور به، فذلك أمر طبيعي، ولكن أي فائدة للمجتمع من عِلْمٍ لم يكن تأثيره في المجتمع كتأثير عصا موسى في الحجر والبحر".
ويرى إقبال أنَّ الأدب في الشرق الإسلامي أصبحت مادَّته تدور حول المرأة، فأصبح لا يتحدَّث إلاَّ عنها، ولا يتغنَّى إلاَّ بها، ولا يبحث إلاَّ فيها، ولا يُصوِّر إلاَّ إيَّاها، ولا يرى في الكون إلاَّ ظلَّها وجمالها، وهذه عقيدة جديدة، في وَحدة الوجود التي يمكن أنْ تُسَمَّى الوجوديَّة الأدبيَّة، وكأنَّ لسان حال الأدب العصري ينادي: (لا موجود إلاَّ المرأة)، وفي هذا يقول إقبال: "أسفًا للشعراء والرسامين وكُتَّاب القصَّة في بلادنا، لقد استولت على أعصابهم المرأة".
وبعد هذه الجولة المختصرة مع شاعر الإسلام محمد إقبال نجد أنَّ شعره لم يتعدَّ الإسلام، ولم يجاوزه فهو إسلامي بكلِّ ملكاته، بكل جوارحه، ولم ينزلق في أي غرض شعري آخر، حتى غدت القضيَّة الإسلاميَّة هي الهاجس والغاية التي بها آمن، وفيها وُجد شعره، ومنها نشأت دولة إسلاميَّة عظيمة هي الأرض الطاهرة، أو دولة "الباكستان"، ومن ثَمَّ فإقبال يكاد يكون المفكِّر والشاعر العالمي الذي استطاع بشعره الإسلامي أنْ يُوَحِّدَ أُمَّة إسلاميَّة جديدة في قطر إسلامي عظيم.
فهذا الداعية الإسلامي إنما صحَّ عزمه على إصلاح الدنيا بالدين، فلزم من هذا أنْ يُقيم معاني الإيمان، لدعم كل ما هو حقٌّ بما ورد في القرآن، ورأى القوم وقد تفرَّقوا عن سبيل الله، وتحوَّل غير قليل منهم عن جانب الحقِّ إلى جانب الباطل، فكان حتمًا من الحتم أن يُذَكِّرهم بكتابهم، ويدعوهم إلى تقليب نظرهم فيه، لعلَّهم أنْ يتعلَّموا منه ما لم يكونوا يَعْلَمُون، أو ينتبهوا إلى ما كانوا عنه ذاهلين.
ولا نعرف -أو نكاد- من شعراء العربيَّة أو الفارسيَّة أو التركيَّة مَنْ جعل لكتاب الله في شعره مثل تلك المنزلة التي جعلها إقبال له، أو على التحديد لم ينط أحد تفكيره وتعبيره في ثبات ودوام، ولا قصر عليه اهتمامه على أنَّه النبع الأوحد الذي يستقي منه شعره، والنبراس الذي لا يحمل سواه لهداية مَنْ ضلُّوا السبيل في الدياجي، بعد انقطاعهم عن ركب الهدى، وهم ينقلون خطاهم وراء خير مَن هدى، وقد جعل النقل والعقل في كفَّتي ميزان، وهما كفَّتان تتراجحان، إلاَّ أنَّ كفَّتيه فيما يتعلَّق بالقرآن، فكانتا مستويتين؛ لأن النقل عن القرآن يؤيِّد العقل، كما يجد العقل في القرآن فلكًا يدور فيه ولا يملك أن يخرج عنه.
وفاة محمد إقبال
فاضت روح الشاعر محمد إقبال إلى بارئها في 21 من إبريل 1938م، - قبيل تقسيم الهند بين الهندوس والمسلمين، فيما عرف بدولة باكستان-  وكان يوم موته  يومًا عصيبًا في حياة جماهير الهند عامة والمسلمين منهم خاصة؛ فعطلت المصالح الحكومية، وأغلقت المتاجر أبوابها، واندفع الناس إلى بيته جماعات وفرادى، ونعاه قادة الهند وأدباؤها من المسلمين والهندوس على السواء، ويقول عنه طاغور - شاعر الهند: "لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند التي لم ترتفع مكانتها في العالم" .


العودة إلى “العلم والعلماء”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron