الأديب والمفكر الألماني جوتة والعرب

''
قوانين المنتدى
''
صورة العضو الشخصية
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 614
اشترك في: الأربعاء فبراير 06, 2008 10:54 am
اتصال:

الأديب والمفكر الألماني جوتة والعرب

مشاركةبواسطة محمد نبيل كاظم » الأحد يناير 31, 2010 2:39 pm

جوته والإسلام (الحلقة الثالثة)
حميمية العلاقة بين "جوته" وديوان العرب
بقلم - كاترينا مومسين
ترجمة - شيرين حامد فهمي
افتتن جوته باللغة العربية ومن ثم الشعر
ومن اللافت للنظر، أن يتبنى "هيردير" وجهة النظر القائلة بأن أشعار العرب كانت أعظم أثراً على سلوكهم وعاداتهم من تأثير القوانين؛ فها هو يقول: "إن أشعار العرب تمثل "نسخة" لطريقة تفكيرهم، ولطريقة معاشهم؛ هم أناس يتنفسون العزة والحرية، متشبعون بروح المغامرة، وشرف المسئولية، والشجاعة التي كانت تنفجر إما في صورة انتقام تجاه العدو، أو في صورة وفاء ومروءة تجاه الصديق والحليف. ترحالهم الدائم الممزوج بدافع الشجاعة والمروءة أخلف من ورائه أنين المحبات في اشعارهن...لقد كانوا بحق شعراء قبل بعثة محمد بزمن طويل".
وفي "أفكار لفلسفة التاريخ الإنساني" كتب "هيردير" في عام 1785 قائلاً: "بالنسبة للعرب كانت لغتهم تمثل أعظم جزء من تراثهم؛ فن الشعر كان يمثل عبقهم الإرثي القديم؛ كان يمثل إبنة..للحرية. لقد أينع وأثمر هذا الفن قبل قدوم محمد بزمن طويل؛ إذ أن روح هذه الأمة كان الأدب، وهناك آلاف الأشياء التي ساهمت في إيقاظ هذه الروح..تعالوا نلقي نظرة على أرضهم، على طريقة حياتهم، على رحلات الحج التي كانوا يقومون بها إلى مكة، على منافساتهم الشعرية، على عزة أنفسهم – التي كان يرثها الشاعر الإبن من أجداده، على فخرهم بأمتهم وبلغتهم، على مقولاتهم، على ميلهم إلى المغامرات والحب والعظمة، على عزلتهم، على أخذهم بالثأر، على معيشتهم غير المستقرة. كل هذه الجوانب – التي ملأت حياتهم – كانت دافعاً لهم لكي يبدعوا في الشعر؛ فيُخرجون له أجود وأنفس ما لديهم من الإحساس والمشاعر. هذا بالإضافة إلى تأملاتهم الفطنة، ومقولاتهم الحكيمة التي تنم عن حدة الذهن وعمق الفكر.

وفي ظل هذه الحماسة المتوهجة، يكمل "هيردير" قائلاً: "إن العربي ينطق ناراً، مثلما ينطق سيفه برقاً، ومثلما ينطق عقله سهماً". لقد تُيم "هيردير" بالشعر العربي، فوصلت ذروة إعجابه إلى تلك الكلمات العجيبة: "لا يوجد شعب يستطيع أن يفتخر بما كان لديه من دعامات عاطفية – أدت إلى ظهور الشعر والأدب والنثر – مثلما كان العرب في أبهى صورهم".

في 1783، ترجم "هيردير" و"جوته" معاً – بمساعدة مستندات لاتينية وإنجليزية مأخوذة من المقتطفات الأدبية المشهورة والمعروفة بالقصائد السبع – ما يُسمى بالمعلقات التي ظهرت قبل بزوغ الإسلام. هذه القصائد المكتوبة بالإنجليزية ما زالت تعرف – حتى يومنا هذا – بنموذج الشعر الكلاسيكي العربي ذي الشكل الفني الراقي الرفيع. وهنا لا يفوت على "جوته" أن يعظم من شأنها، فيصفها قائلاً: "كنوز طاغية الجمال..ظهرت قبل الرسالة المحمدية، مما يعطي لنا الانطباع بأن القريشيين كانوا أصحاب ثقافة عالية؛ وهم القبيلة التي خرج منها النبي محمد نفسه". وقد وصف "هيردير" قبيلة قريش قائلاً: "شعرهم كان يدل على حبهم للحرب؛ تسكنهم العراكات الدائمة حول التعدد الهائل للأنساب والجذور؛ أشد ما يكونون في التمسك بالشرف، والنسب، والحماسة، والشهامة".

ولم يكن "جوته" وحده شغوفاً بالمعلقات، بل كان "هايينريش هاينه" (1856-1799) خليفاً له في هذا المضمار. ولم تكن المعلقات وحدها هي التي شغفت قلب "جوته"، بل شغفته أيضاً مجموعة الملاحم الغنائية لأبي تمام (845+)، التي حملت عنوان "حماسة". وقد أعجب على وجه الخصوص بملحمة الشاعر "تأبط شراً بن جبير الفهمي"، حيث أغنيته المشهورة عن ثأر الدماء التي ترجمها "جوته" إلى الألمانية، معطياً القراء الألمان فكرة حول الشعر العربي. أما عن مدى تأثير هذه الملحمة على "جوته" نفسه، فقد شرحه لنا مستشرق شاب بروتستانتي (متخصص في دراسة العلوم الدينية)، وهو "يوهان جوستاف شتيكل" (1896-1805)، كشاهد عيان. فقد أخبرنا "شتيكل" عن زيارته ل"جوته" – وهو في عامه الواحد والثمانين، وقبيل وفاته بعام – فقال: "لقد كان "جوته" يحكي لي عن انشغاله المحدود باللغة العربية في أثناء شبابه. وعندما عبرت له عن مدى إعجابي بترجمته النموذجية الفريدة للملحمة الشعرية العربية في "الديوان"، فإذا به يُحرك رأسه تجاهي – بالرغم من جلوسه – وكأن جسده قد كبر فجأة...في عزة وكرامة ملحوظتين، محاضراً الأبيات الآتية:

تحت الصخور على الطريق
كان ملقاً أعيته الضربات
لكن دماءه كانت
لا تقطر دموعاً
وفي الظهيرة بدأنا نحن الشباب
ركوب الراحلة سائرين
في سكنات الليل
نجري مثل السحب دون توقف
كل منهم كان سهماً
يخرج من الغمد
كبرق متوهج مستعر

كان "جوته" يتلو هذه الأبيات بصوت منضبط – وهو الرجل المسن ذو الذاكرة الفذة العميقة الحادة – كما لو أنه قد مُس مساً شعرياً...فإذا به يطل بعينين متسعتين، وكأنهما يشعان برقاً ورذاذاً. إن ما أخبرنا به صديقه الشاب "شتيكل" أبرز بقوة العلاقة الحميمية التي كانت تربط "جوته" بالشعر العربي، والتي اعتمدت أساساً على افتتان "جوته" باللغة العربية، حيث وصفها في عام 1815 قائلاً: "ربما لم يحدث في أي لغة – هذا القدر العالي من الانسجام بين الروح والكلمة والخط – مثلما حدث في اللغة العربية؛ إنه تناسق غريب في ظل جسد واحد".

"جوته" ودراسته للقرآن

لقد كان الإعجاب الشديد بالقرآن سبباً اساسياً لافتنان "جوته"، وكثيرين ممن واكبهم من الكتاب والمؤلفين، باللغة العربية. فها هو "هيردير" يتحدث عن تللك اللغة القرآنية المقدسة، واصفاً إياها "بأعجوبة العجائب في فن الشعر"، التي نافس بها النبي محمد "كل الشعراء"، مضيفاً أن الإسلام يمثل "ديانة أدبية".

يعتقد كل مسلم بأن القرآن "منزل من الله عبر الملاك جبريل إلى النبي محمد، وأن محمداً ليس بشاعر، وأنه أُمي. وقد كان خلاصه أو نقاؤه من جميع أصناف العلوم والفلسفات والنظريات المختلفة، كان داعماً ومشجعاً لكي يثق البشر في كلامه، وفي دعوته..فيبقى مصدراً لذلك النقاء الكامل، ومن ثم مكملاً رسالته إلى النهاية. وهنا يتذكر الشاعر السوري-اللبناني "أدونيس"، ويذكرنا معه بأن القرآن – في صورته الشفهية – كان يمثل "مفاجأة لغوية" للعرب جميعاً. لقد أخذ الجمال اللغوي في القرآن بلب العرب، بقلوبهم وعقولهم؛ "لقد كانت هذه اللغة المفتاح الذي فتح الباب للدين الجديد: الإسلام". "إن الموسيقى الشعرية التي كان يعرفها العرب قبل الإسلام – كانت بالتأكيد أقل ثراء من موسيقى السُور القرآنية". وبما أن لغة القرأن هي في الأصل مخلوقة من عند الله، فقد اعتمد هذا الكتاب المقدس على الشرح الإلهي والتفسيرات الربانية. ففي القرآن تجد روعة الدلائل على وجود الله، وعلى عظمته، وعلى امتلاكه لهذا الكون الفسيح؛ باختصار، لم ولن يكن في مقدور أحد من البشر الوصول إلى تلك التحفة المعجزة الربانية".

اكتشف "جوته" روعة القرآن اللغوية في بداية عقده الثالث، وهو إبن الاثنين والعشرين. وكان "هيردير" – عالم الدين البروتستانتي – هو الذي دفعه إلى دراسة القرآن في مدينة "شتراسبورج" الألمانية في عام 1770؛ وهو الذي قربه من هذا المجال. وكان مفهوم "التسامح" هو المسيطر على عقل "جوته" في ذلك الحين، لدرجة أنه ذكر ذلك في مفكرته "الشعر والحقيقة" قائلاً: "التسامح هو الحل في ذلك الوقت". وعبر هذا المفهوم، ومن خلاله، تعلم "جوته" كيفية إدراك القرآن وفهم معانيه. ولا عجب في ذلك؛ فقد كان تعامل "جوته" مع القرآن متماشياً مع روح العصر الذي كان يعيش فيه؛ تلك الروح التي كانت تميل إلى معرفة كل ما كُتب غير الإنجيل؛ ومن ثم، كان كل جديد يحظى على احترام الشعوب الأخرى، فيقدسونه كما يقدسون كتبهم؛ ويدينون له من الاحترام غير المتحيز، كما كانوا يدينون لكتبهم.

وعودة من "شتراسبورج" إلى مسقط رأسه، بذل "جوته" جهداً في الإلمام باللغة العربية وبالخط العربي؛ وباطلاعه على ترجمات القرآن المختلفة، استطاع أن يصل إلى أول ترجمة ألمانية للقرآن، التي كتبها الأستاذ الفرانكقورتي "ديفيد فريدريش ميجيرلين". وتأثراً بهذه الترجمة، بادر "جوته" إلى كتابة ملخص مقتضب عنها – الذي ظهر في "الأوراق العلمية الفرانكفورتية" – إلا أنه تم إزالتها بعد ذلك؛ بسبب عرضه تصوره الرفيع للقرآن الذي فاق ترجمة "ميجيرلين" التي كانت تلبس ثياباً مسيحياً، حاملاً مضامين ومعانٍ مضادة للإسلام. وبناء على إزالة ما كتبه "جوته"، قام الأخير – متحدياً – بوصف ترجمة "ميجيرلين" بالإنتاج "الرديء"، الأمر الذي دفعه بعدها إلى النداء بظهور ترجمة ألمانية أخرى، يكون صاحبها إنسان ألماني "يكون قد قرأ القرآن بحس الشاعر والنبي، ويكون لديه من الروح التي تستطيع الإلمام بالقرآن كله، ومن ثم إدراكه من جميع أطرافه". وكان الشاعر والمستشرق "فريدريش روكيرت" هو أول من حاول تلبية نداء "جوته"، إلا أنه لم يفلح في ترجمته بأكمله.

في عام 1819، وصف "جوته" أسلوب القرآن "بالقسوة والعظمة والرهبة والسكون". كان يسعى دائماً – في مرحلة الشباب – إلى فهم القرآن وإدراكه؛ وهو الأمر الذي لم يظهر فقط في الملخص الذي كتبه حول ترجمة "ميجيرلين"، بل ظهر أيضاً في الدراما التي كتبها حول النبي محمد، والتي ستدور حولها مناقشتنا فيما بعد. وبعد أربعين عاماً، طلت علينا حوارات "ديوان الغرب والشرق"، التي عكست اتساع مداركه عن الإسلام، والتي توجها بجهود كبيرة، بذلها من أجل الوصول إلى حوار منطقي عقلاني بين العالم الغربي وبين الإسلام – الذي يعتبر أكبر الديانات العالمية – في كل زمان ومكان، معتمداً في الأساس على لغة الاحترام المتبادل.

إن هذا الاحترام يمثل عنصراً حقيقياً لعلاقته بالعالم الإسلامي؛ وفيما يلي بعض الأمثلة التي تدلل على ذلك: عندما كان "جوته" في عامه الإثنين والعشرين، في بداية حياته الأدبية، كتب رسالة إلى "هيردير" قائلاً له: "أريد ان أدعو مثلما دعا موسى ربه في القرآن {رب اشرح لي صدري}". لقد استشهد "جوته" هنا بالسورة رقم 22 من القرآن (سورة طه). أما عن دلالة ما كتبه "جوته"، فيمكن فهمه من خلال استكمال قراءة السورة، ومدى تأثره بها في ذلك الوقت؛ إن الآيات تقول: "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني". إن استشهاد "جوته" بآيات القرآن تلقي ضوءاً على التقدير الخاص الذي كان يحمله "جوته" في قلبه تجاه هذا الكتاب المقدس. وبعد خمسين عاماً، أعلن "جوته" ذو السبعين عاماً عن تفكيره في "الاحتفال بتلك الليلة المقدسة التي نزل فيها القرآن من أعلى السماء إلى النبي محمد". وإذا تأملنا في الكلمات التي اختارها "جوته" هنا – "الليلة المقدسة"، "من أعلى السماء" – سنجد أنها نفس الكلمات التي تستخدمها المسيحية للاحتفال بميلاد المسيح في ليلة الميلاد.

بدون أدنى شك، كان استخدام "جوته" لتلك الكلمات بعيداً كل البعد عن اللغة السائدة التي كان يتحدث بها العالم الغربي، في ذلك الوقت، عن الإسلام. فعلى عكس النبي محمد وعل عكس المسلمين، الذين كانوا يكنون كل الاحترام والتقدير للكتب السماوية الأخرى (التوراة والإنجيل)، كان العالم الغربي لا يُكن هذا الاحترام أو التقدير للقرآن. لقد رأى "جوته" – خلافاً للعالم الغربي – التأثير الرباني الذي تركه القرآن على تاريخ البشرية، كما رآه قبل ذلك في العهدين القديم والجديد. ومن ثم، كان عكوفه – منذ الصغر – على دراسة القرآن، مما أعطى مثلاً صريحاً وواضحاً عن كيفية احترام المسيحية للإسلام...إلا أنه، ومع الأسف الشديد، لم يتبع خطاه إلا نفر قليل. والنقطة الأخيرة التي نريد الإشارة إليها في هذه الفقرة هي: أنه لولا دراسته للقرآن وإدراكه الشامل له، لما شعر بهذا التبجيل وبهذه الرهبة تجاهه.

العودة إلى “الأدب والشعر”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر

cron