جوته: الإسلام يعطينا الشجاعة لمواجهة الحياة

''
قوانين المنتدى
''
صورة العضو الشخصية
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 596
اشترك في: الأربعاء فبراير 06, 2008 10:54 am
اتصال:

جوته: الإسلام يعطينا الشجاعة لمواجهة الحياة

مشاركةبواسطة محمد نبيل كاظم » السبت فبراير 20, 2010 8:04 pm

جوته والإسلام (الحلقة السادسة)
جوته: الإسلام يعطينا الشجاعة لمواجهة الحياة
أمن بالمشيئه الإلهية.. واستسلم للقدر بمفهومه الإسلامي
بقلم - كاترينا مومسين
ترجمة - شيرين حامد فهمي
شعر جوته عن حرية العقل علامة إنذار.
لم يجد "جوته" فلسفة التوحيد في الإسلام وحده، بل وجدها أيضاً في نظرية "شبينوزا". لقد كان الشاعر الألماني نصيراً وفياً للفيلسوف "شبينوزا"، صاحب نظرتي "المشيئة الإلهية" و"التوحيد من خلال التأمل في الطبيعة". هاتان النظريتان التقتا مع الإسلام في نقطة تماس؛ فكما تحوز نظرية "المشيئة" على أهمية محورية في الإسلام، فهي تحوز على نفس الأهمية في فلسفة "شبينوزا".
لقد كان "جوته" مؤمناً برسالة الإسلام الأساسية: "الإسلام بمعناه الحقيقي"، أي الخضوع لمشيئة الله؛ ومن ثم كان إدراكه لتلك المعاني ظاهرة في أعماله على وجه الخصوص.

وفي الأوقات العصيبة، كان "جوته" يتشبث ويتعلق بنظرية "المشيئة" الإلهية؛ مثلما حدث عندما مات صديقه – وكان من النبلاء – "كارل أوجوست"؛ حيث ذهب ساعتها إلى "يوهان بيتر إكيرمان" باكياً وقائلاً: "الله فعل هذا، لأنه يراه خيراً؛ ولم يعد أمامنا ولا في وسعنا سوى حمله". لقد كان "جوته" عامة مؤمناً بـ"تصور خاص"، خاصة في حوادث الوفاة. فيقول في عام 1827 إلى القنصل "فريدريش فون مولير": "نحن نعيش طالما يريد الله ذلك". كما دون قائلاً: "الله لديه قوة تفوق قوتنا، وحكمة تفوق حكمتنا؛ فهو يتصرف معنا ما يراه وما يريده هو". وكذلك تعبيره في رسالته أثناء رحلته الإيطالية، في 11 أغسطس 1787، حيث قال: "لا أحد يستطيع أن يقف ضد قدره".
باحثا عن الإسلام
كما تحدث "جوته" عن "الاستسلام للقدر" في ضوء الإسلام؛ فنراه يكتب في عام 1792 قائلاً: "كلما اشتد الخطر، وكلما اشتد البلاء، يتبين لي أن من يعانون الابتلاء يشعرون بعدها بقوة في الإيمان والاعتقاد. الديانة المحمدية تعطي أكبر دليل على ذلك. وفي عام 1820، عندما مرضت أخته غير الشقيقة مرضاً خطيراً، كتب إلى صديقه صاحب نفس الموقف من الإسلام: "لا أستطيع أن أقول إلا إنني أجد نفسي – مرة أخرى – باحثاً عن الإسلام".
وبنفس الوتيرة، وبنفس اللهجة، كتب "جوته" في عام 1831، عندما انتشر وباء الكوليرا من حوله: "هنا لا يستطيع أحد أن ينصح غيره فيما يفعله. فنحن نعيش جميعاً في الإسلام الذي يعطينا الشجاعة في مواجهة الحياة".
وقبل موته بأربعة أسابيع، كتب وهو في عامه الاثنين والثمانين: "هنا في هذا المكان، من أجل أن يتحرر البشر من دوامة الخوف المفزع، انتهوا بإلقاء أنفسهم في حضن الإسلام، واثقين في الله وفي مقاديره النهائية غير المكشوفة". كما نلاحظ هنا، فإن الرسالة الإسلامية استطاعت التمكن من فكر "جوته"؛ فعاش حياته ساعياً – بكل وعي وإصرار – وراء المحور الأساسي الذي تمركزت عليه رسالة الإسلام؛ وهو الاستسلام والخضوع لله. ولم يكتف بذلك، بل إنه قام أيضاً بتوجيه أصدقائه إلى هذا المحور الإسلامي، من خلال رسائله إليهم.
القدر والمشيئة
لاحظ "جوته" القرابة بين الإسلام وبين حركة الإصلاح البروتستانتي المسيحي؛ فحدث القنصل "فون مولير" في عام 1819 قائلاً: "الخضوع والاستسلام هما الأساس الحقيقي لأي دين أفضل. بمعنى آخر، أن يدرك المرء معنى الخضوع للمشيئة العليا، ولمن هو أكثر عقلاً وأكثر فهماً منا. إن الإسلام وحركة الإصلاح البروتستانتي هما الأكثر شبهاً من دون جميع الأديان". وفي المحادثات التي جمعها "إكيرمان"، نشهد مرة أخرى حباً جارفاً ومتيماً من قبل "جوته" تجاه الإسلام، حيث يركز هنا على معنى نظرية "القدر والمشيئة"، فقال: "إنه لمن اللافت للانتباه، أن ننظر إلى المحمديين لنرى كيف كانوا يُربون وينشئون الأجيال المسلمة. كان الدرس الأول والأساسي هو تثبيت الشباب على عقيدة القضاء والقدر، وأن الإنسان لن يستطيع أن يواجه أمراً إلا ويكون قد كتبه الله له من قبل؛ ومن ثم يصيرون بعد ذلك آمنين مطمئنين بقية حياتهم".
ويكمل "جوته" قائلاً: "لا أريد هنا تقييم هذه التربية المحمدية، وهل هي صائبة أم خاطئة، مضرة أم نافعة؛ ولكني بصدد توضيح كيف ترسخ وتغلغل ذلك الاعتقاد فينا جميعاً بدون أن نتعلمه أو ندرسه. فكما يقول الضابط في وسط المعركة: (الكرة التي لم يكتب عليها اسمي لن تصيبني)؛ وإلا فكيف سيستطيع الإلقاء بنفسه في مهالك المعركة؟ وكيف له الاحتفاظ بشجاعته إذا لم يخضع لهذا الاعتقاد؟ ويعلمنا الاعتقاد المسيحي (أن العصفور لن يسقط من السقف بدون مشيئة أبيكم)؛ وهو اعتقاد ينبع من نفس المنبع، ويدلل على نفس التصور، وهو: أن أتفه شيء في هذا الوجود لن يحدث إلا بعد المشيئة العليا".
لم يسلم "جوته" من الانتقادات والاتهامات، لكونه يثني على الإسلام بهذا الشكل الذي استفز أذن غربية كثيرة عند سماعها، كما كتب في "كتاب المقولات":
على كلٍ أن يعظم
من رأيه الخاص
فإذا كان الإسلام معناه الخضوع لله
فإذاً فتحت الإسلام نعيش ونموت جميعاً
هذه المقولة لا تعني إلا المعاني التالية: أولاً، أن كلمة "الإسلام" لا تعني إلا "الخضوع والاستسلام" الكامل لمشيئة الله؛ ثانياً، أنه على الإنسان الاعتقاد في كون الله وحده أعلى ذات في الوجود، ومن ثم فلا يجوز الخضوع إلا إليه؛ بل لا يستطيع الإنسان إلا الخضوع إليه.
عناق الحرية للمشيئة
ولم ينس "جوته" – وهو يسجل قناعاته بنظريات "المشيئة" و"القدر" و"الاستسلام" – بأن يسجل أيضاً قناعاته بالحرية الإنسانية. وقد تجلى ذلك في "ديوان الغرب والشرق"، الذي أظهر فيه كيف تتعانق "الحرية" مع "المشيئة"؛ وهو التعانق الذي يعكس نظرته للوجود أو ال Weltanschauung.
وفي "كتاب المغني" يطل علينا فارس أبي، تتفجر من وجهه العزة والكرامة، ممتطياً جواده في كل الأبعاد. ظهوره يبدو مفاجئاً، مما يجعلنا نتساءل: من يكون هذا الفارس؟ هل هو "المغني" الذي اقتحم "المشرق الخالص النقي"؟ أم هو التاجر الذي ينتقل ببضاعته من الصحاري إلى المدن؟ من يكون هذا الفارس الذي يصيح في مثل هذه الجرأة قائلاً:
أتركوني على سراجي
وابقوا في خيامكم في عششكم
وأنا أمتطي فرسي في كل الأبعاد
وفوق عمامتي لا توجد إلا النجوم
اكتشفنا بعد ذلك، أن كتابة "جوته" لهذه الأبيات كانت على أثر رحلته إلى بلاد القوقاز، حيث شهد ذلك "الفارس الحر" بأم عينيه. طبعاً، لم يراه متجسداً، وإنما رأى المعنى الكامن وراءه...رأى الحرية – بنقائها وصفائها – متجسدة في حياة الإنجوش، وهم قوم متفرعون من الشيشانيين. وهناك في بلاد القوقاز، استمع الشاعر الألماني إلى مقولة أحد الرجال، وهي مقولة تصف حالة البشر هناك، وهي: "فوق عمامته لا يرى إلا السماء". إن "فارس جوته" إذاً هو الرجل الشيشاني، الذي لا ينحني إلا لربه؛ فيقاوم كل خضوع وكل هوى يتجه لغيره. لقد عكست الأبيات مدى التعاطف العميق الذي ولاه "جوته" تجاه تلك الحياة الحرة الحقيقية التي يعيشها أولئك القوقازيون.
الأصيل.. النقي
لقد كان "جوته" متيماً بتلك الحياة الطبيعية البسيطة غير المقيدة من أية متع مادية. وقد تجلى ذلك في أحلامه التي عبر عنها في "ديوان الغرب والشرق"، وكذلك في "هجرة" أو Hegire، حينما تحدث عن ذلك الهارب من أوروبا، الذي فر إلى "الشرق الأصيل" ولاذ به، ودخل بقوة في ثنايا أعماقه الأصيلة؛ ليجد هناك المبادئ الإنسانية البديهية الأولى التي خلق عليها جنس البشر؛ "حيث ما زال هناك إيمان بالله وتصديق بكلامه. حيث ما زالت هناك تعاليم السماء تطبق على الأرض". لقد كان "جوته" يبحث عن "الأصل" في العالم الحاضر؛ كان يبحث عن أبسط أساليب الحياة وأنقاها؛ تلك الأساليب التي كانت موجودة في الشرق..."الشرق الأصيل النقي" كما وصفه في "ديوان الغرب والشرق". "هناك في بلاد النقاء والحق" يريد "الفارس" أن "يخطو في كل طريق"، "فيختلط تارة مع الرعاة – فرجال الدين كانوا أنفسهم رعاة – وتارة مع التجار، فيصير تاجراً، كما كان "محمد" قبل بعثته كرسول. ذلك الفارس هو نفسه الشخص الذي ينظر "فوق قبعته"، فلا يرى إلا السماء. إلا أن "جوته" كان أكثر التحاماً وتعلقاً برجل القوقاز الذي كان "السرج" أو "البرذعة" أحب إليه من أمان "الخيام" و"الأكواخ".
وقد انعكس هذا التعلق في طريقة استخدام "جوته" للغة، حيث أكثر من التلفظ بضمير "الأنا" وما يتصل بها من ضمائر أخرى تعود على المتكلم (حوالي ثلاث مرات في أربع أبيات). فيقول: "أتركني"؛ "أنا أمتطي الجواد"؛ "فوق قلنسوتي". ويدلل هذا الاستخدام اللغوي على التعانق – الذي يكاد يكون لصيقاً – بين شخصية "جوته" التواقة إلى الحرية وإلى التحرر من متع الحياة وبين شخصية الفارس القوقازي الذي يرى في سرجه أو برذعته قيمة أكبر من الحياة الهادئة في الخيام والأكواخ.
يصور لنا "جوته" السعادة الفتية المنبعثة من ذلك الفارس الذي يأتي من أقصى بلاد الأرض – الأمر الذي يوحي بانفتاح الطريق أمامه – ليجري ويعدو كيفما يشاء، غير مبالٍ بطول الطريق، ما دامت الإرادة موجودة. إن "جوته" يرسم لنا المناخ الذي يبغي التحرك فيه؛ مناخ "الحرية" و"الرغبة في اختراق كل جديد".
نجوم جوته والقرآن
أما "الليل" بسحره ونجومه، فله متناول خاص لدى "جوته"، حيث يفرد له أبيات خاصة، تتحدث تارة عن السماء المتلألئة بالنجوم، وتارة أخرى عن النجوم التي تتراقص بأنوارها فوق رأس الفارس الممتلئ بالفرحة الغامرة...فرحته باستقلاليته وهو ممتطياً جواده العفي القوي.. فرحته بمنهج حياته.. فرحته بجمال الليل وانتعاشه، حيث تقول النجوم المتوهجة كلمتها الأخيرة، كما هو مكتوب في الأصل "فوق قلنسوته لا يرى إلا السماء". ومن الجدير بالذكر أن اختيار "جوته" للنجوم ارتبط ارتباطاً وثيقاً مع كلمات ومعاني القرآن؛ فها هو مقطع شعري رباعي يقول:
لقد وضع لكم النجوم
كهادي لكم في البر والبحر
لتستمتعوا بالنظر إليها
أنظروا فقط إلى أعلى
لقد اعتاد "جوته" – كما هو حادث في مواضع كثيرة بشعر "ديوان الغرب والشرق" – على انتصاف مقاطعه الشعرية الرباعية إلى تصفين: نصف من القرآن، ونصف من شعره. فالله يقول في القرآن، في سورة الأنعام، آية 98: "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر". هذا البيت الرباعي – كما نرى – يتميز بالطابع الشرقي؛ ففي أوروبا المكتظة بالسكان يكاد استخدام النجوم "كهادي في البر" أن يكون منعدماً، بينما هو أمر لا يستغنى عنه في صحاري المشرق المطلة على البحار. ومن ثم، فبدون النجوم يدخل أهل الشرق في حالة من التيه والظلمات.
لقد صور "جوته" جمال الليل بنجومه المتلألئة، وصور الإنسان الذي يتأملها بامتنان وسعادة؛ ولكنه ليس أي إنسان، وإنما هو ذلك الإنسان الحر الذي لا يرى إلا النجوم فوق قلنسوته. فعليه – في وسط استمتاعه بالتأمل – أن يستمتع أيضاً بتميزه في وسط هذا الكون الفسيح، ليعلم في النهاية بأن الإله العظيم ينظر إليه من خلال كل نجم يتلألأ في السماء.
وكتب "جوته" في ذلك قائلاً: "إذا كان الإنسان يشعر بذاته في العالم كشعور الجزء من الكل – ولكن الكل الجميل القيم – وإذا كان هذا التناغم الكوني يمنحه تلك المتعة.. فإن الكون كله يصير هدفه وغايته.. وإلا فلماذ هذا التعاقب بين الشموس والكواكب والنجوم والضباب والأحياء والموتى...إذا لم يتواجد في النهاية إنسان يسعد ويستمتع بوجوده على الأرض؟
حرية العقل
في شعره "حرية العقل" جعل "جوته" الفارس الشيشاني رمزاً إنسانياً للحرية. وهنا يطرح "جوته" لب أو قلب الحرية...ألا وهو "حرية العقل"، أو "عقل الحرية"، أو "العقل للحرية" (استخدام "جوته" لأكثر من مصطلح). إن شعره عن "حرية العقل" يعكس المدلول الحقيقي للحرية؛ ألا وهو سيادة الإنسان على نفسه أو ذاته. إنه يعكس سعادة الإنسان التي لا يعيها... سعادته وهو جالس تحت النجوم، في أمن وأمان تحت ظل سماء الخالق القادر على كل شيء، ليتفجر منه إدراكه ووعيه بحريته التي تدفعه لمقاومة كل ذل وخضوع.

ومن العجيب أن نرى ذلك الشيشاني بعد ذلك – الذي خصه "جوته" بإدراكه العالي للحرية – يتهم الآن بالإرهاب من قبل الروس؛ بل إن الشعب الشيشاني بأكمله متهم من بقية العالم بالإرهاب؛ ومن ثم، تساء معاملته إلى أقصى درجة. وحتى إذا انتهك أحدهم أبشع الجرائم الإرهابية، فهذا لا يبرر أن نقذف كل الشعب بالإرهاب. والأخطر من ذلك، أن يتم قهر الحرية نفسها تحت حجة الإرهاب؛ تلك الحرية التي أدرك منها هذا الشعب الكثير، والتي كافح لإنقاذها حتى القرن الواحد والعشرين. إن رفض هذا الشعب لأشكال حكومية غريبة عليه، وصموده أمام الخضوع والاستسلام، وإصراره على حماية استقلاليته لا يعني أبداً أنه إرهابي.
وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه عالمنا اليوم، حينما ذم رغبة الشعوب في الحرية، فصورها على أنها إرهاب. وكان على العالم – بدلاً من ذلك – أن يتعلم من هؤلاء البشر غير الحداثيين؛ يتعلم منهم حب الموت وتفضيله عن حياة الذل والهوان؛ يتعلم من لغتهم التي لا تعرف كلمة "أمر"؛ يتعلم من نظريتهم في الحياة التي لا تعترف بحق الأقوى، ومن ثم ترفض عقلية العبيد.
إن تعاطف "جوته" مع وجهة نظر مثل هذه يدفعنا إلى إعادة تفكيرنا حول هذا الشعب المهدد بقاؤه في وقتنا الحاضر لمجرد أنه يأبى عيش العبيد، ولمجرد أنه يرفض السجود إلا لخالقه. إن شعر "جوته" عن "حرية العقل" لابد أن يكون علامة إنذار لنا؛ لتحذرنا من إبادة هذا الشعب الأبي الكريم، وإبادة جذوره العزيزة، وإلا سنكون بصدد ضياع قيمة غالية الثمن – قيمة لا تقدر بمال – قيمة الحرية، وقيمة الوعي بها.

العودة إلى “الإسلام بعيون غربية”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron