الفجوة بيننا وبين الغرب

''

المشرف: محمد نبيل كاظم

قوانين المنتدى
''
أضف رد جديد
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 775
اشترك في: الأحد نوفمبر 15, 2020 1:55 pm

الفجوة بيننا وبين الغرب

مشاركة بواسطة محمد نبيل كاظم »

الفجوة بيننا وبينهم:
هو .. دكتوراه في الكيمياء من جامعة أسيوط..يحمل معه جلافة الريف وطيبته، وهي خريجة آداب قسم سياحة، تحمل معها حقيبة كريسنيان ديور، وتنظر دائماً غرباً إلى باريس، لتأخذ عاداتها وقيمها وموضاتها.. في حين هو ينظر شرقاً إلى مكة، معلق القلب والفؤاد بالكتب القديمة الصفراء والمدائح النبوية وحلقات الذكر وقراءة القرآن...
وهو في زيارة للسويد والنرويج مدعواً في مؤتمر علمي.. وهو يصحب زوجته في شهر عسل.. وهما يهبطان معاً درجات الفندق الفخم في استكهولم.. كلما مر بهم نزيل أومأ برأسه في تحية.. فتضغط على ذراعه هامسة: رد على التحية بإيماءة برأسك أنت الآخر.. أترى كم هم مؤدبون.. تعلَّم.. إذا حييتم بتحية فردوا بأحسن منها.. أترى النظافة حولك، كل شيء يلمع.. والأرض كأنها مرآة.. المواعيد بالدقيقة والثانية، الكلمة واحدة ميثاق.. لا غش ولا احتيال ولا مكر ولا تعقيد.. المرأة هنا حرة رشيدة مستقلة الإرادة، تملك مفتاح عربتها، ومفتاح شقتها، وتخوض الحياة بلا خوف، وتختار زوجها في حرية.. وتعمل في أي مهنة تحب.. حارسها ضميرها وحده.. يدها مع يد زوجها .. لا رياسة لأحد على الآخر ولا تحكُّم ولا استبداد، لها نصف ما يملك إذا افترقا، وهكذا يضمنون للمرأة مستقبلها، وكل من الزوجين حر لا يسأل الآخر أين كنت ولا مع من كنت.. احترام متبادل، تذكرة طائرتها في جيبها، وجواز سفرها في حقيبتها، تسافر إلى آخر الدنيا وحدها حرة، هذه القيم نحتاجها في مصر لنتطور، أنا لا أصادر على عقلك وفكرك، ولكن لا تقل لي كلمتك التقليدية: هذه دولة الكفر.. هل النظافة كفر؟ هل الأمانة كفر؟ هل النظام والعلم والصناعة كفر؟
مرت امرأة بيدها كلب وأومأت برأسها محيية، فرد صاحبنا بإيماءة أخرى من رأسه.. فضغطت صاحبتنا على يده في تودد وقالت وهي تلفت نظره إلى الكلب: أترى أصابع الكوافير كيف صففت شعر هذا الكلب.. والفيونكة الحمراء الجميلة.. هل العطف على الحيوان الضعيف كفر.. هل رأيت المستشفى الأنيق أمام الفندق .. إنه مستشفى للكلاب، ودار حضانة للكلاب، تترك المرأة كلبها فيه في الصباح، لتعود وتأخذه في المساء، قال زوجها الريفي وهو يهز رأسه غير مصدق: شيء عجيب، وقالت: هل تعلم أن هناك أكثر من عشرين نوع من اللحوم المعلبة المخصصة للكلاب، يعرض عليه ما يحبه ويختاره منها ليكون طعامه، قال الزوج: شيء عجيب! إذا كان هذا ما يصنعوه مع الكلاب، فكيف يصنعون مع بني آدم؟. لا تتعجل سترى.
إذا كان هذا مقام الكلب في الأسرة، فما مقام أفرادها في المجتمع؟ ستري، ألسنا مدعوين الليلة على فنجان شاي لدى أسرة سويدية؟ نعم دعانا د. شاخت كرافت وهو محب لمصر وأهراماتها، سنقابله اليوم ليحدثنا أكثر عن معجزات بلاده التي أبهرتكِ!
في المساء استقبلنا وهو يقول: أخيراً أصافح أحفاد أخناتون يداً بيد. قال له الزوج: لا أظن يا عزيزي، فلقد اختلطت الأنساب بمن تعاقب على سكنى مصر من الفرس والروم والمقدونيين والهكسوس والعرب وغيرهم، لا أظنك تجد هذا الحفيد الأخناتوني إلا في المقابر، قال الأوربي: آسف صحيح، ورشف رشفة من الشاي وهو يقول: لو كنتما هنا أمس الأحد لسعد أبواي بكما فهما يحبان مصر كثيراً، فقال الرجل المصري الريفي: وأين هما الآن يا ترى؟ فقال: هما عجوزان لطيفان في سن يصعب التواصل والعيش معهما، فهما في دار المسنين لكل منهما غرفة منفصلة، هذا شأن الكبار في بلادنا في هذه السن، فقال المصري: والصغار أين ؟
فقال السويدي: بعد سن السابعة عشرة يذهب كل ولد وبنت في طريقه وشأنه، لي أربعة من الأخوة والأخوات في القارات الأربعة، ولا أحد منهم يتواصل مع الآخر، حتى البنات اللاتي تزوجن تركهن أزواجهن بعد الحمل والإنجاب، وأصلاً ليس بينهم عقد زواج، بل كان حباً عابراً، (وأبناؤهم يصنعون الشيء نفسه)، ولما دخل الكلب كان على بطنه ضمادة، فحضنه شاخت، وقال: مسكين عملنا له تشخيص وتبين أنه بحاجة إلى عملية جراحية، فأجريت له وحزنت من أجله كثيراً، فقال الزوج المصري: شيء مؤسف.. هذا قدرهم!
فالتفت إليه الأوربي قائلاً: أسمع من الشرقيين كثيراً كلمة القدر، ما معنى هذه الكلمة؟ فأخذ صاحبنا المسلم يشرح له فكرة الإيمان بالله وأركانه الست، وأن ما في الكون كله من مخلوقات صغيرة أو كبيرة، هي خلق الله وتخضع لقدره وعلمه وتدبيره في نهاية المطاف، فقال الدكتور شاخت في براءة ساذجة: ولكن أين الله ؟!..
فقال الدكتور المصري: لا يقال عن الله أين، ولا يقال عنه متى؟ ولا يقال عنه كيف؟ لأنه فوق الأين وفوق المتى وفوق الكيف، لأنه هو خالق الزمان والمكان، وكل شيء عنده بقدر، وهو لا يخضع لما خلق، حضارة الغرب لا تؤمن إلا بالمحسوس الملموس، فجرت الذرة واكتشفت المجرة، وصنعت سفن الفضاء وقنابل الدمار، ولم تستطع أن ترى الخالق العظيم وأن كل ما في الكون من صنعه سبحانه...!
أما أنا يا عزيزي د. شاخت: فإني لا أرى إلا الله سبحانه، وما سواه ليس إلا ظلال وآثار لقدرته وعظمته، أليس كل ما في الكون تحكمه سنن الله من الذرة إلى المجرة، وليس هناك استقلال في الحركة والوجود لأي مخلوق إلا بأمره وتدبيره؟ فأجابه شاخت: أنا احترم وجهة نظرك، ولكني لا أفهمها.
وفي المساء كان الدكتور( الرجل المسلم) في فراشه يحدث زوجته وهو يخبط كف بكف: أرأيتي.. لا توجد أسرة، ولا توجد روابط رحم، ولا حتى روابط إنسانية، والكلب مقدم على الأبوين والأبناء والإنسان، والبنت تحمل سفاحاً، والأخوة لا يساند أحدهم الآخر، ولا يتعرف عليه، والأبوان منبوذان في دار العجزة، ولم يتبق منهم للحب والرعاية والاهتمام سوى الكلب، وربما عبدوه من دون الله.
فلم يعجب الزوجة هذا الكلام، وقالت: هنا الدنيا بحذافيرها، وجمالها ووفرتها، ألا ترى ناطحات السحاب! والعقول الألكترونية، والحرية التي يتمتعون بها، لكنك لا تريد أن ترى غير قريتك ونفسك في إطار القديم والعالم حولك يعج بالحياة والزخارف.
قال الزوج وهو يدير ظهره لها ويتمتم أدعية النوم وسننه، مع الأسف لقد نسيتي أن صانع هذا العمار والناطحات ترك نفسه التي بين جنبيه خواء وخراباً، وأنه يوشك أن ينتحر وأن يقتل نفسه بما صنع، وأن هؤلاء القوم المتمدنون لوثوا الكون بكل الملوثات، ولوثوا عقولهم بالخمور والمخدرات، ولوثوا أرواحهم بالكفر والضلالات، وأن ما ترينه براقاً إنما هو متاع الغرور، ونشوة اللحظة، ولمعة البارقة، التي تنطفئ بعد لحظة من نارها ونورها، واقرئي التاريخ، أين الجبابرة والمخترعون والمسيطرون، إنهم وعالمهم أهون على الله من بيت العنكبوت، ومع كل هذه الحجج الباهرة وطيبة زوجها، لم تر فيه سوى الفلاح الدرويش، لأنها مبهورة بالغرب والمظاهر الجوفاء، فهي وجهتها باريس ولندن وواشنطن، وهو وجهته مكة والمدينة وبيت المقدس، بل الرب الأعلى سبحانه، فكلٌ شاخص إلى وجهة مختلفة، ولهذا يدير ظهره للآخر من غير مودة ولا وئام، وما بينهما سوى خيط رفيع يسمى عقد زواج يوشك أن ينحل وينقطع.
تلخيص الفصل 19 من كتاب " الإسلام ما هو؟"لد. مصطفى محمود رحمه الله.


أضف رد جديد

العودة إلى ”العالم الآخر“