هدر طاقة العقل المسلم

''

المشرف: محمد نبيل كاظم

قوانين المنتدى
''
أضف رد جديد
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 775
اشترك في: الأحد نوفمبر 15, 2020 1:55 pm

هدر طاقة العقل المسلم

مشاركة بواسطة محمد نبيل كاظم »

بسم الله الرحمن الرحيم
هدر طاقة العقل المسلم
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84))

لا شك أن للعقل المسلم تكويناً مختلفاً عن غيره من عقول البشر، لا من الناحية الفيزيائية، وهي واحدة في الناس، ولا من الناحية العملية الميكانيكية، فهي كذلك واحدة في الناس، بشقي الدماغ، اليمين واليسار، الشق المنطقي الرياضي الكمي في التفكير، ( باليسار)، والشق الإبداعي العاطفي التخيلي في التفكير (باليمين)، فهذا واحد لا اختلاف فيه بين بني البشر.
لكن الاختلاف الذي قصدته وأشرت إليه في صدر هذه المقالة: هي أن للعقل المسلم منهجية في التفكير، وخريطة ذهنية للتدبر، تختلف عن الآخرين ممن لا يؤمنون بعالم الغيب، ولا يفكرون بسوى الماديات التي تحقق لهم إشباع الشهوات فحسب، ولهذا تجد هؤلاء لا يتوقفون كثيراً عند ما يتجاوز عقلهم هذه المحسوسات الملموسات، وهذا له سلبيته: حرمانهم من معرفة الله، وحرمانهم معرفة السبيل إلى السعادة الحقيقية التي لا توفرها لهم مادياتهم وشهواتهم، - إلا إذا هدوا إلى الحق والإيمان والإسلام فيتحقق لهم التوازن حينها- أما إيجابية ماديتهم تلك، فإنها تجعلهم عمليين واقعيين بدرجة ما في حياتهم، لا تسيطر عليهم الخرافة أو الشعوذة، أو الدجل، وهذا يقيهم شطط العقل الخرافي بدرجة ما، ولكن قد ينحرفوا باتجاه الخرافة في حالة الحاجة إلى الاشباع العاطفي الوجداني، وطغيان المادية عليهم، فينتكسوا انتكاسة كبيرة تخل بالميزان السلوكي الذي لا يحققه ويمنحه للإنسان سوى الإسلام، - الإسلام القسط .
ولكن بالنسبة للعقل المسلم: المفترض فيه التوازن بين عالم الغيب، وعالم الشهادة، والموازنة بين الماديات، والروحانيات، في حال كانت ثقافته الإسلامية متكاملة، ومعرفته الشرعية متوازنة، في شقي العمل للدنيا كأنه سيعيش أبداً، والعمل للآخرة كأنه سيموت غداً، مع التفكر الدائم بمسؤوليته عن منهج الله وشريعة الله، أن تعم الأرض ويسعد بها الناس، القريب والبعيد، فإذا غاب هذا التفكر المتوازن، وأخذ المسلم من الإسلام شقاً، ومن شجرته الطيبة غصناً، يبدأ الخلل في العقل المسلم يتبدى بأشكال وصور متعددة، لا تقل خطورة عن حرمان المحرومين من الإسلام عقيدة وشريعة، وإن كانت النهايات عند الله مختلفة، في جنة أو نار، لكن على المسلم أن يحفظ كياسة عقله، فلا يهدر طاقته في جانب على حساب جانب آخر، كأن يغرق في التصوف إلى الدرجة التي تنسيه الشريعة ومتطلباتها، ولا أن يغرق في التسلف الذي ينسيه كذلك مسؤوليته عن الواقع المعاصر وما يتطلبه من نصر الشريعة في كل مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن الله غني عن تعبد رهباني لا يقيم دولة الله في الأرض، قال تعالى: ( وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم) 84/الزخرف،
وهنا في كلا الحالتين السابقتين عند المسلم؛ يقع في اثم هدر طاقة عقله الإسلامي، لأنه أنفقها في غير توازن ولا جدوى، ومن ذلك الصراعات الفكرية بين المسلمين، في أمور لا تصب في صالح الإسلام، ولا في صالح العقل المسلم، ولا في صالح المجتمع المسلم المفكك، المقسم، المجزأ، المفرق، المفتت، المستعمر، (بالهيمنة الغربية ) على أمور اختلف المسلمون فيها مئات السنين، ولن تزول لأنها كانت من نتاجات التقاعس عن الجهاد، في فترات التوسع الحضاري لدولة الإسلام، والركون إلى ما كان، واليوم لا حضارة، ولا قوة، ولا كيان معتبر، له قيمة بين الأمم، والعقل المسلم لدى البعض، يهدر طاقته في فناء النار أو عدم فنائها، وكأنه القيم عليها، أو هو من خزنتها، هذا أو ذاك من ألوان التفكير الاحتمالي، ولو كان بالقرائن، لا يقدم ولا يؤخر، في أمورنا اليومية،التي نرى فيها جنة الدنيا ولا نعمل على الدخول فيها، ليتحقق لنا شكر المنعم حق الشكر، فلا نكون فتنة لمن لا يعرف الله، أو نعمل على أن نخرج أنفسنا من نار الدنيا التي تلهب ظهور المسلمين بسياط الفقر والظلم والقتل وتدمير بيوتهم وأوطانهم، والاستيلاء على مقدساتهم وثرواتهم، فلا يكون نصيبهم من دنياهم إلا أن يجوع فيها الجائع المسلم فيطعمه من بيده الصليب فيكفر، أو يمرض المسلم فيلجأ إلى من بيده نجمة داود فيمرِّضه ويداويه فيتصهين، أو يعده اليساري بالثورة والعسل فيلحد، أو يرفع يديه بالدعاء لمن لا تُعرَف له هوية دين ولا دنيا، أو يصفق ويطبل ويزمر للباطل فيقع في الشرك بالله، لا لشيء سوى أن ينجو من زجه بالسجن، لا لجريرة إلا لكونه مسلم من أهل الحق، وعليه أن يصفق للظلم والظالمين لينجو بجسده، فتموت روحه كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلـم، حين قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ".
ويهدر المسلم طاقة عقله في مسألة جواز دفع زكاة الفطر قيمة أو قوتاً، من عدم اجزائها، حتى كلمة صدقة من الصدقات، ترتج على لسان من يفتي المصلين بها فلا تخرج من شفتيه، وهكذا تهدر طاقة العقل المسلم في النظري والتعبدي والاعتقادي، وما لا يثمر في العاجل شيئاً، سوى شيء من الخَدَرِ الروحي، الذي يسرِّي عنه ألم معاناة قلة ذات اليد، وألم تحمل ألم أمه المريضة أو أبيه المريض، وهو لا يجد ما يستطيع أن يدخله به أفضل المستشفيات، إذا توفرت هذه المستشفيات، وهي عادة لا توجد إلا في بلاد الأعداء، الذين يحسنون إعمال عقولهم، ولا يفرطون في طاقتها الخلاقة، سواء لاكتشاف الأمراض، أو طرق العلاج الحديثة، أو صناعة ما يحسِّن حياتهم وحياة البشر وييسرها، ونحن نلف في دائرة مفرغة من هدر طاقات عقولنا، في نقد كبار العلماء والدعاة، من السلف أو الخلف، لأنهم لم يوافقوا الناقد المتشدد في مسألة أو عدد من المسائل الفرعية، أو لأنهم يتحلون بالشجاعة الأدبية في نقد الظلمة والظالمين، وهذا الناقد يعتبر ذلك خروج على السلطان، وأي سلطان هذا؟ وقد خلع من قبله، أو ورث والده، أو جاء على ظهر دبابة عربية أو أمريكية،...أو...أما أن يكون العقل المسلم مستجمعاً لطاقته دون تبديد، وأن يوجهها في خدمة الإسلام كاملاً، في صناعة الدنيا، كما هي في صناعة الآخرة، فهذا مستبعد عند أصحاب أحادية التفكير.
طاقة العقل المسلم يمكنها إذا استُجمِعَتْ أن تعيد الحكم الرشيد على منهج النبوة، وأن تعيد الحياة التضامنية على منهج الراشدين، وأن تعيد الحياة العلمية على منهج بيت الحكمة المأمونية، ويمكنها أن تعيد وحدة الأمة على عهد الهارونية، يستمطر ماء السحابة في أي أرض أمطرت شرقاً أو غرباً، ولكن مع الأسف طاقات عقول أبنائنا الجبارة يخدرها مغفلون دهاة باسم الدين، ويحولوا الشاب الجامعي الطموح إلى راهب صغير في صومعة التعبد الابتر، الذي لا يحقق تكامل دنيا، ولا تكامل دين، فتضيع فرص النهوض بأمة أحوج ما تكون لهذا النهوض، الذي يرفع سيف أعدائها عن رقاب أبنائها، سواء كان سيف القتل، أو سيف الجهل، أو سيف الفرقة، أو سيف المرض، أو سيف التخلف، أو سيف الاستعباد والاستبداد، كل هذا غائب عن عقول أبنائنا، وإذا حضر فإن الحوقلة والحسبلة، هي أسهل طريق لتقبل الواقع المرضي، شرط أن يبقى التصور الديني العقائدي حسب منهج السلف، لكن ليس السلف الذي أقام أعظم تاريخ وحضارة، وإنما السلف المعاصر (الخلف) الذي ضيع هذا التاريخ وهذه الحضارة، وأصبح مظهراً لا مخبراً، وهذا قال وذاك، وذلك أخبر وذلك أبى، وبين هذا وذاك يزحف العدو فيدخل بيوتنا وعقول أبنائنا صغاراً وكباراً، ويبدد طاقة عقولهم، لا في التغيير والتجديد والإبداع، ولا في طرح حلول لمشكلات بلادنا فذاك محرم عليهم، وإنما يبددها في الصراعات والتعصب والمذهبية، وأكل الوجبات السريعة الأمريكية، والدعاء لمن قدس الله سره، وعلى الدنيا السلام، اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.بقلم: محمد نبيل كاظم.


أضف رد جديد

العودة إلى ”تجديد الخطاب الإسلامي“