أداء الأمانات والحكم

''

المشرف: محمد نبيل كاظم

قوانين المنتدى
''
أضف رد جديد
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 775
اشترك في: الأحد نوفمبر 15, 2020 1:55 pm

أداء الأمانات والحكم

مشاركة بواسطة محمد نبيل كاظم »

بسم الله الرحمن الرحيم
أداء الأمانات والحكم
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) النساء.
في الآية بَيانِ شَرائِعِ العَدْلِ، والحُكْمِ، ونِظامِ الطّاعَةِ، وقد سبقها ذِكْرِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولَيِّهِمْ ألْسِنَتَهم بِكَلِماتٍ فِيها افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وخِيانَةِ أمانَةِ الدِّينِ، والعِلْمِ، والحَقِّ، والنِّعْمَةِ، وهي أماناتٌ مَعْنَوِيَّةٌ، (الآية 46/ 50/ 51) النساء، فَناسَبَ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأداءِ الأمانَةِ الحِسِّيَّةِ إلى أهْلِها ويَخلص إلى هَذا، التَّشْرِيعِ الإلهي في الدين الخاتم، والرسالة الأخيرة.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ صَرِيحَةٌ في الأمْرِ والوُجُوبِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِتَلَقِّي هَذا الخِطابَ والعَمَلِ بِهِ، مِن كُلِّ مُؤْتَمَنٍ عَلى شَيْءٍ، ومِن كُلِّ مَن تَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ في الحُقُوقِ، والأداءُ حَقِيقَتُهُ في تَسْلِيمِ ذاتٍ لِمَن يَسْتَحِقُّها، وجاء لفظ أدىَّ بالتشديد وأصله بالتخفيف، لبيان (أدى) أي أوصل، لكنه ضعِّف لبيان التأكيد على ما فيه من الاعتراف بالحقِّ، ومِنْ ثمَّ الوفاء به، وما يتبع ذلك من تكاليف.
وتُطْلَقُ الأمانَةُ مَجازًا عَلى ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ إبْلاغُهُ إلى أرْبابِهِ ومُسْتَحِقِّيهِ مِنَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، كالدِّينِ، والعِلْمِ، والعُهُودِ، وحسن الجِوارِ، والنَّصِيحَةِ ونَحْوِها، وضِدُّها الخِيانَةُ في الإطْلاقَيْنِ.
والأماناتُ مِن صِيَغِ العُمُومِ، قالَ الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، ومَكْحُولٍ: أنَّ المُخاطَبَ وُلاةُ الأُمُورِ، أمَرَهم أنْ يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ.
وأهْلُ الأمانَةِ هم مُسْتَحِقُّوها، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إذْ سَلَّمَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ لِلنَّبِي ﷺ وكانَتْ سِدانَةُ الكَعْبَةِ بِيَدِهِ، وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ وابْنَ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَدَفَعَ لَهُما مِفْتاحَ الكَعْبَةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ النَّبِي ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ « خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْتَزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ»، فَبَقِيَتْ سِدانَةُ الكَعْبَةِ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، إلى يومنا هذا، والأداءُ هنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، لِأنَّ الحَقَّ هُنا ذاتٌ يُمْكِنُ إيصالُها بِالفِعْلِ لِمُسْتَحِقِّيها، فَتَكُونُ الآيَةُ آمِرَةً بِجَمِيعِ أنْواعِ الإيصالِ والوَفاءاتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ دَفْعُ الأماناتِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا مَجازَ في لَفْظِ تُؤَدُّوا.
والحُكْمُ مَصْدَرُ حَكَمَ بَيْنَ المُتَنازِعَيْنِ، أيِ اعْتَنى بِإظْهارِ المُحِقِّ مِنهُما مِنَ المُبْطِلِ، أوْ إظْهارِ الحَقِّ لِأحَدِهِما وصَرَّحَ بِذَلِكَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَكْمِ بِفَتْحِ الحاءِ وهو الرَّدْعُ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، ومِنهُ سُمِّيَتْ حَكَمَةُ اللِّجامِ، وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تُجْعَلُ في فَمِ الفَرَسِ، ويُقالُ: أحْكِمْ فُلانًا، أيْ أمْسِكْهُ.
والعَدْلُ: ضِدُّ الجَوْرِ، فَهو في اللُّغَةِ التَّسْوِيَةُ، يُقالُ: عَدَلَ كَذا بِكَذا، أيْ سَوّاهُ بِهِ ووازَنَهُ عَدْلًا، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى إيصالِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، ودَفْعِ المُعْتَدِي عَلى الحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إطْلاقًا ناشِئًا عَمّا اعْتادَهُ النّاسُ أنَّ الجَوْرَ يَصْدُرُ مِنَ الطُّغاةِ الَّذِينَ لا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم سَواءً مَعَ عُمُومِ النّاسِ، فَهم إنْ شاءُوا عَدَلُوا وأنْصَفُوا، وإنْ شاءُوا جارُوا وظَلَمُوا.
وأطْلَقَ لَفْظَ العَدْلِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ، عَلى تَسْوِيَةٍ نافِعَةٍ يَحْصُلُ بِها الصَّلاحُ والأمْنُ، وذَلِكَ فَكُّ الشَّيْءِ مِن يَدِ المُعْتَدِي، لِأنَّهُ تَظْهَرُ فِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ، فَهو كِنايَةٌ غالِبَةٌ، ومَظْهَرُ ذَلِكَ هو الحُكْمُ لِصاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الإطْلاقِ حَتّى صارَ يُطْلَقُ عَلى إبْلاغِ الحَقِّ إلى صاحبه، ولَوْ لَمْ يَحْصُلِ اعْتِداءٌ ولا نِزاعٌ.
والعَدْلُ: مُساواةٌ بَيْنَ النّاسِ أوْ بَيْنَ أفْرادِ أُمَّةٍ: في تَعْيِينِ الأشْياءِ لِمُسْتَحِقِّها، وفي تَمْكِينِ كُلِّ ذِي حَقٍّ مِن حَقِّهِ، بِدُونِ تَأْخِيرٍ، فَهو مُساواةٌ في اسْتِحْقاقِ الأشْياءِ وفي وسائِلِ تَمْكِينِها بِأيْدِي أرْبابِها، فالأوَّلُ هو العَدْلُ في تَعْيِينِ الحُقُوقِ، والثّانِي هو العَدْلُ في التَّنْفِيذِ، ولَيْسَ العَدْلُ في تَوْزِيعِ الأشْياءِ بَيْنَ النّاسِ سَواءٍ بِدُونِ اسْتِحْقاقٍ.
والعَدْلُ يَدْخُلُ في جَمِيعِ المُعامَلاتِ، وهو حَسَنٌ في الفِطْرَةِ، لِأنَّهُ كَما يَصُدُّ المُعْتَدِيَ عَنِ اعْتِدائِهِ، كَذَلِكَ يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنِ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
وبما أن العَدْلَ بِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ، تَجُولُ في تَحْدِيدِهِ أفْهامٌ مُخْطِئَةٌ؛ تَعَيَّنَ أنْ تُسَنَّ الشَّرائِعُ لِضَبْطِهِ عَلى حَسَبِ مَدارِكِ المُشَرِّعِينَ ومُصْطَلَحاتِ المُشَرَّعِ لَهم، عَلى أنَّ كثير منها لَمْ يَسْلَمْ مِن تَحْرِيفٍ لِحَقِيقَةِ العَدْلِ في بَعْضِ الأحْوالِ، إذا لم تكن بتوجيه رباني، وشريعة إلهية، ولهذا كانت بعض القوانين بِدافِعَةِ الغَضَبِ والأنانِيَّةِ والعنصرية والأهواء، فَتَضَمَّنَتْ أخْطاءً فاحِشَةً لأنها مُتَفَرِّعَةِ عَنْ تَخَيُّلاتٍ وأوْهامٍ، كَقَوانِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، والأُمَمِ العَرِيقَةِ في الوَثَنِيَّةِ.
ولهذا نجد أعدل القوانين، هي الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ لِمُناسَبَتِها لِحالِ مَن شُرِّعَتْ لِأجْلِهِمْ، وأعْظَمُها شَرِيعَةُ الإسْلامِ لِابْتِنائِها عَلى أساسِ المَصالِحِ الخالِصَةِ أوِ الرّاجِحَةِ، وإعْراضِها عَنْ أهْواءِ الأُمَمِ والعَوائِدِ الضّالَّةِ، فَإنَّها لا تَعْبَأُ بِالأنانِيَّةِ والهَوى، ولا بِعَوائِدِ الفَسادِ، ولِأنَّها لا تُبْنى عَلى مَصالِحِ قَبِيلَةٍ خاصَّةٍ، أوْ بَلَدٍ خاصٍّ، بَلْ تُبْتَنى عَلى مَصالِحِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ وتَقْوِيمِهِ وهَدْيِهِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، ومِن أجْلِ هَذا لَمْ يَزَلِ الصّالِحُونَ مِنَ القادَةِ يُدَوِّنُونَ بَيانَ الحُقُوقِ حِفْظًا لِلْعَدْلِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، استناداً إلى نصوص الشَّريعة الإلَهِيَّةَ.
قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] أيِ العَدْلِ، فَمِنها المَنصُوصُ عَلَيْهِ عَلى لِسانِ رَسُولِ البَشَرِيَّةِ، ومِنها ما اسْتَنْبَطَهُ عُلَماءُ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ فَهو مُدْرَجٌ فِيها ومُلْحَقٌ بِها، وإنَّما قُيِّدَ الأمْرُ بِالعَدْلِ بِحالَةِ التَّصَدِّي لِلْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، وأُطْلِقَ الأمْرُ بِرَدِّ الأماناتِ إلى أهْلِها عَنِ التَّقْيِيدِ: لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَخْلُو مِن أنْ تَقَعَ بِيَدِهِ أمانَةٌ لِغَيْرِهِ، لا سِيَّما عَلى اعْتِبارِ تَعْمِيمِ المُرادِ بِالأماناتِ، الشّامِلِ لِما يَجِبُ عَلى المَرْءِ إبْلاغُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ كَما تَقَدَّمَ، بِخِلافِ العَدْلِ فَإنَّما يُؤْمَرُ بِهِ وُلاةُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ أهْلًا لِتَوَلِّي ذَلِكَ فَتِلْكَ نُكْتَةُ قَوْلِهِ ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ﴾ .
قالَ الفَخْرُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا حَكَمْتُمْ﴾ هو كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يَشْرَعُوا في الحُكْمِ، بَلْ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ، فالآيَةُ مُجْمَلَةٌ في أنَّهُ بِأيِّ طَرِيقٍ يَصِيرُ حاكِمًا، ولَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِن إمامٍ، وأنَّهُ يُنَصِّبُ القُضاةَ والوُلاةَ فصارَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ لِهَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ، والمدح بامتثاله، والوَعْظُ: التَّذْكِيرُ والنُّصْحُ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ زَجْرٌ وتَخْوِيفٌ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أيْ عَلِيمًا بِما تَفْعَلُونَ وما تَقُولُونَ، وهَذِهِ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ.
فإذا ضيع أهل الكتاب الأمانة، ولم يراعوا حق الله في الناس، بأن يعرِّفُوا بدينه الحق، ويحكُمُوا كما أمر بين الناس بالعدل، فإن المسلمين أولى منهم بان يحفظوا الأمانات ويؤدوها للناس، كما يحب ويرضى، بالعدل الذي أضيف إليه في شرعنا الإحسان، هذه الأمانات المتفرعة عن الأمانة الكبرى التي حمَّلها الله الإنسان عموماً في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)) الأحزاب، هذه الأمانة الكبرى وهي القيام بواجب الاستخلاف في الأرض، وعبادة الله في إعمارها، والقيام بمستلزماتها، في أداء الأمانات والحقوق لأصحابها، دون ظلم أو جور أو عدوان.
وما سبق من الأمر بأداء الأمانات لأهلها له وجهان: الأول فردي: يقوم به كل مكلف تجاه نفسه، وأهله، وأرحامه، وجيرانه، والآخرين من الشجر والحجر والحيوان بما يسمى البيئة اليوم، فهو لا يتوقف على وجود الدولة من عدمه، في كل مكان وزمان، والثاني جماعي: تقوم به الجماعة فيما يطلق القرآن عليه لفظ (المؤمنون) ويا أيها الذين آمنوا، وهذا يحكمه انتظام الجماعة في دولة، وهو ما يمثل مسمى " الخلافة" وهي خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلـم، وأطلق على من يمثلها " الأمير" وسمي "أمير المؤمنين" في العهد الراشدي، وهذا التمثيل والقيام كان طبقاً للمنهج القرآني النبوي، (وأمرهم شورى بينهم)، وهو تنفيذ لخلافة رسول الله في الأرض، التي أُمِرَ بها كما أمر النبيون من قبله، بان يحكموا بين الناس بالعدل، كما في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (213)) البقرة، وأمر الله نبيه الخاتم بأن يحكم بين الناس بالكتاب والحق، فقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ...(48)) المائدة.
وهذا ما طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلـم في دولته النبوية، فعدل بين الناس، وأقام كما قال ليبولد فايس: " أول دولة قانونية في العالم" تحكمها الأنظمة القائمة على المبادئ، والقيم السماوية العادلة، وتبعه في ذلك الخلفاء الراشدون الأربعة، لمدة ثلاثين سنة، حيث أدوا الأمانات التي كلفهم الله بأدائها لأصحابها، ونشروا الإسلام في ربع المعمورة، خلال فترة حكمهم، القائمة على الشورى والاختيار، والرضا، والعدالة.
وبعد هذه الفترة الذهبية من الحكم الإسلامي الناصع، وقعت الفتنة بين المسلمين بتدبير من أصحاب الأغراض والمكر ممن حُرِمُوا التربية الإسلامية الصحيحة، في الأطراف، فدخل إلى نفوسهم أطماع الدنيا، فوسوس إليهم شياطين الأنس من أعداء الإسلام، وشياطين الجن وإيحاءاتهم للمنافقين، فأدى إلى مقتل الخليفة الثالث رضي الله عنه، وتحول الحكم بعد مقتل الخليفة الرابع علي رضي الله عنه، إلى حكم ملكي وراثي، وبدأ التدهور في موازين العدالة الإسلامية ونصاعة حكمه بالتدريج، وقامت ثورات متعددة لم تكلل بالنجاح، وأريقت دماء زكية بين الأطراف المتناحرة، مما حدى بكثير من العلماء، الإفتاء بعدم جواز الخروج على الحاكم المسلم، لا حباً به ولا تأييداً له، وإنما لتجنيب المسلمين إراقة دماء هم في غنى عن إراقتها، من أجل حكم اعتبروه من رغائب الدنيا وزخارفها، التي ينبغي للتقي أن يتورع عن التشوف والتطلع إليه، لأن الآخرة خير وأبقى، وأفتوا بجواز حكم المتغلب، ولو لم تتوفر فيه الشروط الشرعية الكاملة، طالما أنه يتعهد بالحفاظ على بيضة الإسلام، والحكم بشريعة الله التي لا بديل غيرها أصلاً، وتراكمت الأخطاء، وأصبح بيت مال المسلمين بيد أسرة حاكمة، تتحكم فيه كيفما تشاء، وضُيِّق على العلماء المجاهرين بالحق، الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، فسجن بعضهم، وجلد بعضم، ونكل بآخرين، وهرب واختفى بعضهم، وكل ذلك والفتوى الاضطرارية السالفة لم تتغير، من أجل الحفاظ على وحدة كلمة المسلمين وصفِّهم، أمام أعدائهم المتربصين، من يهود ونصارى ومجوس وتتار.
لكن هذه الفتوى لم تمنع من تمزق الصف المسلم، وتدهور حال الأقطار الإسلامية، وقيام دويلات طائفية وأسرية، وباطنية، أسقطت هيبة الدولة الإسلامية الأم، في دمشق وبغداد، فغزا الطامعون بغداد، وفتك التتار بالبلاد والعباد، وقتلوا خلقاً كثيراً، ورموا بآلاف الكتب في نهري دجلة والفرات، وعقبها طمع الصليبيون في احتلال فلسطين ومصر والشام، حتى تصدى لهم البطل محمود الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، لكن بقي الحكم مشاعاً للمتغلبين، وليس للراشديين، ولهذا كتب كثير من الفقهاء الأعلام والعلماء، في طيات كتبهم، أن هذه الطريقة في حكم المتغلب لا شرعية لها، طالما أنها لا تقوم على الشورى والاختيار، ولهذا قال ابن تيمية في (السياسة الشرعية): " إرادة العلو على الخلق ظلم، لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم"، وقال قدامة بن جعفر، في كتاب (الخراج وصناعة الكتابة): " الرئاسة إنما هي رئاسة عفو الطاعة، لا رئاسة الاستكراه والقهر، والمملكة مملكة الرضا والمحبة، لا مملكة التسلط والقهر".
ووصف إمام الحرمين الجويني المشكلة السياسية في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم)، فقال: " المسلمون هم المخاطبون – في القرآن- والإمام في التزام أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه مستناب في تنفيذ الأحكام" ولهذا رفض خيار الصحابة التوريث في الحكم، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: " جئتم بها هِرَقْلية، وفوقية تبايعون لأبنائكم! ".
ولهذا وغيره من الأدلة الكثيرة جداً، يقتضي أن يكون إمام المسلمين، عن اختيار شوري حر، لا إكراه فيه ولا إجبار، ولا قوة غلبة، إذا أردنا أن تعود الدولة الإسلامية، كما أسسها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وكما أقامها الخلفاء الراشدون من بعده، على منهج القرآن، وعلى منهج النبوة، وكل تبرير اليوم لسلطات لا تقوم على هذا النهج الإسلامي الراشدي الصحيح، لا معنى له، سوى اتباع أهل الكتاب في تأييدهم الطاغوت والطغيان والظلم والعدوان، وهذا يأباه الله ورسوله، في محكم الكتاب، ومحكم السنة المشرفة، ومن يقول به، ويسعى لبقائه، فإنه يمنع من حيث يدري أو لا يدري التحول إلى الحق الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الحكم القادم في الأمة الإسلامية سيقوم على منهاج النبوية، الذي يعني المنهاج الراشدي العظيم، وحينها سيهيمن الإسلام على الأديان كلها، وينشر العدل والأمن والأمان، والخير والسلم والتوحيد، في أرجاء المعمورة، وتتحقق نبوءة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
بقلم: محمد نبيل كاظم.


أضف رد جديد

العودة إلى ”الحوار والفكر التنويري“