لبسة الإسبال ما بين الزينة و والجمال 2

''

المشرف: محمد نبيل كاظم

قوانين المنتدى
''
أضف رد جديد
محمد نبيل كاظم
Site Admin
مشاركات: 775
اشترك في: الأحد نوفمبر 15, 2020 1:55 pm

لبسة الإسبال ما بين الزينة و والجمال 2

مشاركة بواسطة محمد نبيل كاظم »

الإسبال والزينة و والجمال
قال تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33).
أولاً- لباس الإنسان ستر:
خوطب المسلمون بصفة البنوة الآدمية، في عناية الإنسان بلباسه في جميع الأحوال، لأن إبليس عليه لعنة الله يريد أن يعريه، وينزع عنه الستر به، في قصة إغرائه بالأكل من الشجرة الممنوعة، فبدت لهما سوآتهما، وأدى ذلك إلى الخروج من الجنة، للامتحان من جديد لآدم وذريته جميعاً في الأرض، وبين الله تعالى له ولبنيه، أنه أنزل عليهم ما يواري سوءاتهم وعريهم فقال تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ، ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27).
فالأصل في اللباس الستر والتغطية، أما النزع والتقصير فهو تعري غير مرغوب فيه بالفطرة، لأنه يبرز السوءات والمعايب، وهي عورات لا يُحَبَّذ ظهورُها، ومن هنا كان اللباس فطرة، ونعمة من الله، لكن نعم الله تحكمها ضوابط الاعتدال، وضوابط الجمال، وربما يتداخل الاعتدال مع الجمال، والعكس، في التنعم بالنعم، ومن هنا جاء الأمر الرباني، بأخذ الزينة عموماً في حياة المسلم، وخصوصاً عند أداء الصلاة ودخول المسجد، وربط هذا بالطعام والشراب لأن الجمال، والزينة، محكومان بالاعتدال، وهذا مطلوب في الطعام والشراب، كما هو مطلوب في اللباس، وكما أن في الطعام والشراب محرمات، فإن في اللباس كذلك محرمات، كما في تحريم الميتة ولحم الخنزير، والدم والخمر، وفي اللباس الحرير والذهب محرم على الرجال، حلال للنساء.
ثانياً- المسلم والزينة والتزين:
ذكر القرآن كناية عن اللباس بالزينة، وكأنه يقول لنا لا تقتصروا على الستر في اللباس فحسب، كما أنكم لا تقتصروا في الطعام والشراب على مجرد منع الجوع وسد الحاجة، فإن الفطرة تدفع الإنسان لأن يختار أطايب الطعام والشراب وربما يتجاوز هذا إلى أجمله وأحسنه شكلاً ومضموناً، فيكون كالزينة، فكذلك لا يقتصر على مجرد الستر باللباس، وإنما يراعى فيه التجمل بلبس الجميل منه، واختيار ما يتزين به، فيكون الإنسان عندها أجمل وأزين، وهذا باب واسع يختلط فيه الحلال الطيب، والجميل الحسن، حتى أن الإنسان يصل في طعامه وشرابه ولباسه درجة الزينة والتزين والتجمل، وهو من باب " الأحسن عملاً" ولو كان في المتعة الشخصية، والعطاء الأسري لأفراد العائلة، فإن الشرع الحنيف لا يأباه، بل يأمر به، " لأن الله جميل يحب الجمال" كما في الحديث، وهو اجتناب وخروج من الرهبانية التي كانت عليه النصرانية، في عدم الاهتمام بالطهارة، ولا بالجمال، ولقد امتنع النبي من أكل لحم الضب وعافه، وقال: " فأجِدُني أعافُه لأنه لم يكن بأرض قومي"، وهنا تدخل نسبية الحلال وأنواع الزينة وألوان التجمل، بحسب عادات القوم وأعرافهم وثقافتهم، في إطار ثلاثية التزين: من الجمال والاعتدال والمباح، ومن يراعي واحدة ويهمل أخرى لم يصب المنهج القرآني المتكامل، وإن أصاب الإباحة، فإن منهج الإسلام فوق مستوى الإباحة لوحدها، لأن الإحسان من الإيمان، وهو قمة الإتقان، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، فالعمل الصالح المتقن من مقامات الإحسان، وهو مقام رفيع لا يدركه إلا أصحاب الذوق الرفيع، وكان السلف الأوائل يدركون هذا بعد أن تتلمذوا على يد المعلم الأعظم، والرسول الأكرم.
ثالثاً- أنواع الألبسة التي كان رسول الله يلبسها: نوعان:
1- - لباس غير مفصل: (غير مخيط على البدن): وهو الإزار- والرداء – والحبرة اليمنية – والخميصة – والمرط – وهذه كلها غير مفصلة، فإن لبست لأسفل البدن سميت إزاراً، وإن لبست لأعلى البدن سميت رداءً.
2- اللباس المفصل: الجبة (وهي مفصلة على البدن ومخيطة، واسعة الأكمام، تلبس فوق الثياب) – والقباء (ضيق الأكمام والوسط، مشقوق من الخلف، يلبس فوق الثياب في السفر والحرب) – والقميص ( ثوب مفصل له أكمام، وجيب، وأزرار)- والعباءة ( يلبسها الرجال والنساء، وتسمى البشت، والمشلح)، ولبس أنبجانية، ولبس ثوبًا أسوداً، ولبس الفروة المكفوفة بالسندس، ولبس الحلة (وهي مصنوعة من قطعتين، إزار، ورداء)، وكان النبي يلبس ما يلبسه الناس من الغالي والرخيص، لكن دون تقصُّد أو تعالي أو تبختر أو بطر، أو استعلاء، لأن هذا منهي عنه كما في أحاديث الإسبال، وقيل إن أحب ما لبس رسول الله إليه كان القميص، لأنه مخيط، وساتر، وبأكمام تصل إلى الرسغ، ليست بالواسعة ولا بالضيقة، وهذا يفسر ما قاله مراراً في الإزار، لأنه لا يستر سوى نصف البدن، فضلاً عن كونه غير مخيط، وقابل للانحلال وانفكاك عقدته، وسهولة وقوع الإسبال فيه.
رابعاً- النهي عن الإسبال في الإزار:
لم تذكر الأحاديث في النهي عن الإسبال، سوى نوع واحد من اللباس، وهو الإزار، غير المفصل على البدن، وهو ما يستر الوسط السفلي من البدن، ولم يذكر نوعه، وإنما ذكر صفته، التي ذكرناها وهي الوزرة، وهي غير مخيطة أولاً، وهي تستر الوسط السفلي وفيه عورة الإنسان المغلظة والمخففة ثانياً، وإسباله يعرض صاحبه إلى الاضطراب في حركته ونشاطه وعبادته ثالثاً، وقد يتعرض لدوس الآخرين المؤدي إلى انكشاف العورة رابعاً، ويضاف إلى ذلك وهو ما ذكرته غالب الأحاديث، أن هذا يكون من خيلاء الأغنياء على الفقراء، وهو مذموم بشدة، والمنع والتهديد بالنار ربط بشعور الخيلاء، وهذا الشعور قد يؤدي إلى الكبر الذي يحرم صاحبه من دخول الجنة، ويدل على ذلك الأدلة الشرعية التالية:
1- الأصل في اللباس الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والشارع قصد من تحريم هذه اللبسة الخاصة قصد الخيلاء من الإسبال، وإلا لبقيت اللبسة المذكورة على أصل الإباحة، وإذا نظرنا إلى عموم اللباس وهيئاته وأشكاله لم نجد منه شيئاً محرماً إلا وتحريمه له سبب وإلا فما معنى التحريم وما الغرض منه ؟ لذا فإن مفهوم الأحاديث أن من أسبل ولم يقصد بذلك الكبر والخيلاء، فإنه غير داخل في الوعيد، خاصة أن الأحاديث الناهية نصت على أمرين: أ- إرادة الخيلاء، ب- وكونه في الإزار من الثياب .
2- النص المتعلق بكونه في الإزار: قول النبي صلى الله عليه وسلم : " وما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " رواه البخاري، حمله الفقهاء وكذلك البخاري، حين ذكر (باب من أسدل إزاره من غير خيلاء) على من فعل ذلك خيلاء، من باب حمل المطلق على المقيد.
2- النص المتعلق بكون الإسبال خيلاء: عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: “من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة”، وما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: " كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة".
3- النص المتعلق بإسقاط الوعيد عمن يجتنب الخيلاء: قول أبي بكر: يا رَسُول اللَّهِ إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: “ إنك لست ممن يفعله خيلاء” رَوَاهُ البُخَارِيُّ تحت باب (من جر إزاره من غير خيلاء) فكأنه يرى الجواز، وروى مسلم بعضه.
4- النص المتعلق بفعل النبي له: حديث أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَثَابَ النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عَنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا.(رواه البخاري في باب من جر إزاره من غير خيلاء).
5- والنهي والتحريم في هذا يشمل النساء: لما جاء في سير أعلام النبلاء: " أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ تَخْتَالُ فِي لُبْسِ الذَّهَبِ وَتَفْخَرُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، كَمَا فِيْمَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ"، ولم تنه عن الإسبال حتى لو جاوز الأرض بشبر أو ذراع، لأنه عادة النساء في لباسهن، ولو اكتفت بتغطية قدميها جاز لها ذلك، ولم يشدد عليها بإسبال أو عدم إسبال، لأن أمرها قائم على المبالغة في الستر، وهذا يجعل لها فارق في الحكم لتميزها عن ما يخص الرجال في اللباس والحشمة، وأحكام الحجاب.
خامساً- الآثار عن الصحابة والسلف التي تفيد جواز الإسبال لغير الخيلاء:
1- كما سبق أن أشرنا فقد عقد البخاري بابا في صحيحه بعنوان (من جر إزاره من غير خيلاء) وجاء فيه بالحديثين السابقين فكأن هذا مذهبه وهو أنه لا إثم على من جر ثوبه لغير خيلاء.
2- وعن أبي إسحاق قال: رأيت ابن عباس أيام منى طويل الشعر، عليه إزار فيه بعض الإسبال، وعليه رداء أصفر، قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.‏
3- أخرج ابن أبي شيبة في (( المصَنَّفِ )) (رقم :24845) قال: حدثنا ابن مهدي، عن أبي عوانة، عن مغيرة قال: ” كان إبراهيم - إبراهيم بن يزيد النخعي – رحمه الله تعالى: " قميصُه على ظهر القدم”. إسناده صحيحٌ، وأخرج ابن أبي شيبة وعنه أبو نعيم في الحلية : (5/322) وابن سعد في الطبقات: (5/403) عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمرو بن مهاجر قال كان قميص عمر بن عبد العزيز ما بين الكعب والشراك، وأخرج عن ابن مسعود بسند جيد " أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال إني حمش الساقين".
4- قال البيهقي: وروينا عن عطاء بن أبي رباح أنه صلى سادلاً، وكأنه نسي الحديث أو حمله على أن ذلك إنما لا يجوز للخيلاء، وكان لا يفعله خيلاء والله أعلم (سنن البيهقي الكبرى الجزء 2 ص 242).
5- أخرج الإمام أحمد في (( العلل )) – رواية ابنه عبد الله – ( رقم: 841 ) قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد، قال:” أمرَنِي أيّوب - أيُّوب بن أبي تِميمَة السِّختِيَانيُّ - أن أقطعَ له قميصاً قال: اجعلْه يضرِبُ ظَهْرَ القدم، و اجعَلْ فَمَ كُمِّهِ شبراً “.إسناده صحيحٌ، ولفظ الحلية: " كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له فقال: الشهرةُ اليومَ في التشمير" ).
6- وفي كتاب المنهيات للحكيم الترمذي ص (7) :وعامة الأحاديث التي جاءت عن جر الإزار، إنما تدل على أن النهى مع الشرط، قال: (من جر الإزار خيلاء)؛ فدل هذا على أن النهى عن جر الإزار إذا كان خيلاء، وأورد حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء"، وحديث أبي هريرة: " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً" .
7- وروي عن أيوب السختياني رحمه الله: أنه طول قميصه له الخياط في ذلك؛ فقال: السنة اليوم في هذا الزي، أو كلاما هذا معناه.. كأنه ذهب إلى أنه إنما نهى عن طوله للخيلاء فشمروا، فاليوم صار التشمير مراءاة وتصنعا وتزيينا للخلق يختالون في الدنيا بالدين!! وروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قميصه وجبته تضرب شراك نعليه.
8- وفي مسند أبي عوانة باب بعنوان (بيان الأخبار الناهية عن جر الرجل إزاره بطرا وخيلاء) والتشديد فيه والدليل على أن من لم يرد به خيلاء لم تكن عليه تلك الشدة، وجاء في صحيح ابن حبان، ما يشبه هذا وربطه بالخيلاء كذلك.
سادساً- أقوال شراح كتب الحديث في أحاديث الإسبال:
1- جاء في شرح صحيح مسلم للنووي: ‏هذا التَّقييد بالجرِّ خيلاء يخصِّص عموم المسبل إزاره، ويدلُّ على أنَّ المراد بالوعيد من جرّه خيلاء، وقد رخَّص النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- في ذلك لأبي بكر الصِّدِّيق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقال: لست منهم إذ كان جرّه لغير الخيلاء، وقال أيضاً: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه على التنزيه، ويقول: أمَّا الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين في النَّار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأنَّه مطلق، فوجب حمله على المقيَّد، واللهُ أعلم.
2- وجاء في فتح الباري لابن حجر: قال شيخنا في ” شرح الترمذي ” ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه، قال: ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدا، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع.
3- ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة، ويقول: وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء.
4- فهذا الإسبال والجر للثوب إنما كره للمختال الفخور، وقد كان في بدء الإسلام المختال يلبس الخز، ويجر الإزار ويسبله؛ فنهوا عن ذلك، وأخرج ابن عبد البر في التمهيد ( 21/68) بسند صحيح: " قال سفيان بن حسين لعمر بن علي بن مقدم: أتدري ما السمت الصالح ؟! ليس هو بحلق الشارب ! ، و لا تشمير الثوب؛ و إنما هو: لزوم طريق القوم، إذا فعل ذلك قيل: قد أصاب السَّمت، وتدري ما الاقتصاد ؟! هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير .
سابعاً- جمهور الفقهاء على إباحة إسبال الإزار بغير خيلاء:
1- الأحناف: قال صاحب المحيط من الحنفية: روي أن أبا حنيفة رحمه الله ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار وكان يجره على الأرض، فقيل له أولسنا نهينا عن هذا؟ فقال إنما ذلك لذوي الخيلاء ولسنا منهم، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية، وكذلك السفاريني في كتابه “غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب” (وكلاهما حنبلي)، وقال النحلاوي في الدرر المباحة:” لا يجوز إسبال الثوب تحت الكعبين، إنْ كان للخيَلاء والتكبر، وإلاّ جاز إلا أنّ الأفضل أن يكون فوق الكعبين..”.
2- المالكية: ذكر سليمان بن خلف الباجي في كتابه المنتقى شرح الموطأ، والنفرواي في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، قال الباجي في المنتقى: وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعليق هذا الحكم بمن جره خيلاء، أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره، أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد، وفي المواهب(وهو أحد كتب المالكية): ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شكّ في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه، ما لم يصل إلى جرّ الذّيل الممنوع منه، وقد تعقب العراقي الشافعي ابن العربي المالكي حيث ذهب إلى تحريم الإسبال مطلقاً بخيلاء أو بغير خيلاء، فقال العراقي: وهو مخالف لتقييد الحديث بالخيلاء.
3- الشافعية: ذكر البويطي في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :إنك لست ممن يصنعه خيلاء حين رآه يتعاهد ثوبه برفعه عن الأرض، وذكرنا سابقاً ما رآه النووي في المسألة مع شراح الحديث، وهو من الشافعية، وهناك أيضا من الشافعية غير هؤلاء من ذهب إلى ذلك منهم : شيخ الإسلام زكريا الأنصاري والإمام شهاب الدين الرملي والحافظ ابن حجر الهيتمي وغيرهم كثير، ويقول الحافظ العراقي في (طرح التثريب): المستحب أن يكون الثوب إلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم, وإلا فمنع تنزيه.
4- الحنابلة: قال الإمام أحمد بن حنبل: جر الإزار إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس به، وهذا ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب رحمهم الله، وذكر ذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية ونقله عنه السفاريني في غذاء الألباب، و جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (حنبلي): يكره أن يكون ثوب الرجل إلى فوق نصف ساقه, نص عليه، ويكره زيادته إلى تحت كعبيه بلا حاجة, على الصحيح من الروايتين، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية : قال ابن تيمية : السنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف الساقين إلى الكعبين فلا يتأذى الساق بحر وبرد، ولا يتأذى الماشي ويجعله كالمقيد، ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه نص عليه – يقصد نص عليه أحمد بن حنبل، وقال – يقصد أحمد بن حنبل – في رواية حنبل: جر الإزار إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس به وهذا ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب رحمهم الله.
ثامناً- تعليلات فقهية:
1- أخرج ابن عبد البر في التمهيد ( 21/68) بسند صحيح: " قال سفيان بن حسين لعمر بن علي بن مقدم: أتدري ما السمت الصالح ؟! ليس هو بحلق الشارب! و لا تشمير الثوب؛ و إنما هو: لزوم طريق القوم، إذا فعل ذلك، قيل: قد أصاب السَّمت، وتدري ما الاقتصاد ؟! هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير، وقال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال، وقال النووي: إنه مكروه وهذا نص الشافعي، وكذلك عند الشوكاني يحرم مع الخيلاء، ولا يحرم بدون خيلاء، من حمل المطلق على المقيد.
2- ويقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (22138): والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة، وقال رحمه الله في شرح العمدة 4/363 : وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة، ثم قال: ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة، ثم قال: وبكل حال فالسنة تقصير الثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار، - والأدلة تشهد بذلك للإزار فقط- (صاحب الموقع) وفي الآداب الكبرى للعلامة ابن مفلح قال: واختار الشيخ تقي الدين عدم تحريمه, ولم يتعرض للكراهة, ولا عدمها ، انتهى .
3- وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول، وهذا ما ذكره الحافظ في الفتح، ومثله في كشف القناع عن متن الإقناع، بل إنه في كثير من كتب الفقه الحنبلي ذكر أنه يكره إسبال ثوبه خيلاء وهو أحد الوجهين فما بالنا بغير الخيلاء؟!! . جزم به في الهداية، والمذهب، والمذهب الأحمد، والمستوعب، والوجيز، والرعاية الصغرى، والحاويين، والفائق، وإدراك الغاية، وتجريد العناية، كتبها الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن البسام رحمه الله في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام"( 6/246) الإسبال غير حرام إلا على من أراد الخيلاء.
4- نحن نعتقد جازمين أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا في كتاب ولا في سنة، فإذا سمعنا بحديث أو آية وتبادر لذهننا الكليل أن ظاهر الآية أو الحديث يتعارض مع زمان أو مكان أو بيئة، فالشرع الحنيف يدفعنا أن نجمع مع النص جميع النصوص الأخرى المتعلقة بالمسألة أو الحكم، ليكون فهمنا للنص شاملاً لجميع النصوص المتعلقة به، فيستنبط الحكم بناء على دلالات النصوص جميعاً، والمقاصد الشرعية العامة، وفي مثل حديث النهي عن الإسبال، نرى أن التشمير في الثياب لا يناسب البيئات الباردة كالبلاد الغربية والأسكيمو وغيرهما من البلاد الثلجية، التي تتطلب تغطية سائر الجسد وأن اللباس الساتر أدعى إلى حفظ البدن في هذه البلاد، وكذلك البلاد الحارة في أفريقيا وغيرها، التي يكثر فيها البعوض والحشرات، والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان الذي يكشف عن ساقيه، في مثل هذه البيئات، فإن من الحكمة أن يستثنى ما ذكر أعلاه، من أحكام النهي عن الإسبال، حفاظاً على حياة الناس وصحتهم، ويبقى النهي على ما ورد في قضية النهي عن الخيلاء، والبطر، والكبر، والتفاخر، لأن متعلقه قلبيٌّ وليس حسياً، انسجاماً مع المقاصد الشرعية في تربية الناس على آداب السلوك، وطهارة الظاهر والباطن من كل ما يسيء إلى أخلاق الناس وعلاقاتهم تجاه بعضهم البعض، وهذا ما تؤكده النصوص الكثيرة المتعلقة بأخلاق المسلم في التواضع وعدم الكبر، حتى لو قصر ثيابه، وزعم أنه على السنة، فالسنة تمنع الكبر، ولو في تطبيق الطاعات، والله يتولى الصالحين.
تاسعاً- تطور الألبسة والغرض منها:
كان للعرب والعجم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلـم ألبستهم، ولهذا لبس النبي ما لبسوه في العادة، عدا استثناءات طفيفة؛ لعلة من علل الكراهية، أو مشابهة لبس النساء، ومن لا خلاق لهم، لكن هل بقيت الوزرة والإزار لباس العرب بعد أن أغناهم الله وفتح عليهم الفتوح والبلدان، وأسسوا أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية؟ أم أنهم أصبحوا يلبسون لباس الملوك؟ كما رأى عمر رضي الله عنه أبهة ما يلبسه الصحابي الجليل معاوية ابن أبي سفيان في الشام، فأخبره معاوية أن الشام بلد الأمبراطورية الرومانية، والناس فيها في نعيم يحتقروا أو يستصغروا من لا يجاريهم في نعم الحياة، ومنها اللباس، والله يقول في كتابه: ( وأما بنعمة ربك فحدث) و (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، فسكت عنه، رضي الله عنهما.
واليوم أصبحت الحياة الإنسانية متعددة الأنشطة والأوجه، ويقتضي لكل نوع من النشاط لباسه الخاص به، فلباس الحرب، غير لباس السلم، ولباس المسجد، غير لباس النوم والراحة المنزلية، ولباس النادي الرياضي، غير لباس العمل في المناجم المعدنية، ولباس رياضة الجري، غير لباس رياضة كرة القدم، ولباس الوظيفة الرسمية المكتبية، غير لباس المصانع والمعامل والمتاجر، ولهذا نجد أن الألبسة أصبحت شارات وعلامات على المهنة التي يقوم بها الإنسان، فلباس القاضي، غير لباس المحامي، ولباس إمام المسجد الراتب (بعمامته)، غير لباس عامة الناس، ولباس حضور المؤتمرات العالمية العلمية والسياسية، له تقاليد تفرضها الأعراف الدولية، والبروتوكولات السياسية، فهل ينطبق حكم النهي عن الإسبال على هذه الأنواع كلها بدرجة واحدة، حتى لو أدى إلى تأذي العامل والصانع والرياضي وآخرين بدعوى أن الشرع فوق الجميع، وهي دعوة حق، حين يكون فهم الشرع على أصوله وحسب القواعد الفقهية، والمصالح الشرعية المعتبرة، أم أن الحكم الشرعي ليس سوى خبط عشواء، من قبل من لا يحسن فقهاً، ولا لغة، ولا أصولاً، ولا منطقاً، ولا حكمة، سوى تقليد متشدد ينتقي من النصوص ما يوافق هواه ومدرسته الفكرية، ولو خالف كثيراً من النصوص الشرعية، وخالف كل العقول السوية؟!
وكلمة أخيرة: فإن الفتوى التي توفق بين جميع النصوص، أفضل من الفتوى التي توافق نصاُ وتعارض النصوص الأخرى، فاعمال جميع النصوص أولى وأحكم، والله أعلم.
بقلم: محمد نبيل كاظم.


أضف رد جديد

العودة إلى ”الجمال والزينة“